تجديد للعهد وبناء للنهضة!

حمدي دوبلة

غداً يحتفل اليمنيون مجددا بذكرى المولد النبوي الشريف وما ذلك إلا تذكير برسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبقيمه وإيمانه وحكمته وتحمله للمسؤولية وتحركه وجهاده ضد المشركين وأعداء الله، وخصوصا في هذا الزمن الذي تتكالب فيه التحديات على الأمة.
-تحديات ومخاطر هذا الزمن التي تحيط بالأمة لا سبيل لمواجهتها إلا عبر اتباع الرسالة المحمدية التي تبقى المرجع الحكيم؛ فالأمة التي تعرف نبيها وتتمسك بهويتها وتستعيد قيمها وتتحمل مسؤوليتها وتتوحد حول قضاياها، حتما ستكون قادرة على أن تستعيد ثقتها بذاتها ودورها المنوط بها كأمة تدعو إلى الخير وتقوم بواجباتها كخليفة مأمون لله على الأرض.
-هذه المناسبة العظيمة تبقى ذاكرة الأمة الحية التي تعيدها إلى منبع النور الأول. ففي كل عام حين تتزين المدن والقرى بالأنوار وتصدح الحناجر بالابتهالات يتجدد العهد مع الرسول الأعظم ويستعيد الناس صلتهم بالقيم التي جاء بها الرحمة والعدل والصدق والإحسان. وهذه القيم هي أساس البناء الحضاري الذي تحتاجه الأمة في مواجهة أزماتها الراهنة.
-إن من أعظم ما يميز ذكرى المولد النبوي على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام أنها مناسبة سنوية لتجديد الروابط الاجتماعية وتعزيز روح التكافل. فكما كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نصيرا للفقراء وراعيا للأيتام، فإن إحياء ذكراه ينبغي أن يتحول إلى مشاريع عملية لرعاية المحتاجين ودعم المستضعفين في زمن تتسع فيه الفجوات الاجتماعية وتزداد فيه المعاناة وهنا تصبح المناسبة فرصة لتجسيد الرحمة في أفعال ملموسة على  مبادرات خيرية وحملات تضامن ومشاريع تنموية صغيرة تعيد التوازن للمجتمع.
-إن الأمة المتطلعة للنهوض لا بد أن تبدأ من بناء الإنسان والمولد النبوي يوفر فرصة ذهبية لترسيخ القيم التربوية في نفوس الناشئة. حين يتعلم الأطفال سيرة النبي ويتعرفون على مواقفه في الصدق والأمانة والشجاعة، فإنهم يكتسبون هوية راسخة تحميهم من الانجراف وراء تيارات الانحراف والضياع. وهنا تستطيع المدارس والجامعات أن تجعل من هذه المناسبة محطة تعليمية هادفة ومثمرة من خلال تنظيم الندوات والمسابقات التي تربط بين السيرة النبوية ومتطلبات العصر، فيغدو المولد أداة تربوية تعيد صياغة وعي الأمة.
-التحدي الأكبر يكمن في تحويل المولد من  طقس ديني مناسباتي إلى مشروع نهضوي شامل. فالنهضة تبدأ من الوعي والوعي يتشكل عبر التربية والإعلام والثقافة. فإذا استطعنا أن نربط بين قيم المولد النبوي ومشاريع التنمية، فإننا نضع حجر الأساس لنهضة حقيقية. يمكن أن تُطلق في هذه المناسبة مبادرات لمحو الأمية، أو برامج لدعم التعليم، أو حملات لتعزيز العمل التطوعي. هذه المبادرات، إذا استمرت وتوسعت، ستشكل رافعة حضارية تعيد للأمة مكانتها بين الأمم.
-لا يمكن لمشروع نهضوي طموح أن ينجح دون دور فاعل للإعلام والثقافة. فالإعلام مدعو إلى أن يتجاوز التغطية التقليدية للاحتفالات وأن يسلط الضوء على البعد التربوي والاجتماعي للمولد. إذ أن البرامج التلفزيونية والإذاعية يمكن أن تقدم قصصا عن شباب استلهموا من السيرة النبوية مشاريع ناجحة أو عن مبادرات اجتماعية انطلقت في ذكرى المولد، أما الثقافة فهي قادرة على أن توظف الأدب والفن لإبراز القيم النبوية في قالب معاصر يجذب الأجيال الجديدة ويعيد وصلهم بجذورهم.
-الأمة اليمنية والشعوب الإسلامية عموما تواجه اليوم تحديات جسيمة، أولها تربص وهجمات الأعداء، ناهيك عن التخلف العلمي والانقسام السياسي والأزمات الاقتصادية. ويمكن لمناسبة المولد النبوي أن تكون نقطة انطلاق لاستعادة المكانة الحضارية.
– حين نستلهم من سيرة النبي قيم العلم والعمل والعدل والجهاد والتحرك العملي ونترجمها إلى مشاريع عملية، فإننا نعيد للأمة بريقها. فالنهضة ليست شعارا، بل هي فعل يومي، يبدأ من الأسرة، مرورا بالمدرسة ليصل إلى المجتمع والدولة في أحسن وأمثل طريقة.. وكل عام واليمن والأمة في خير وسلام.

قد يعجبك ايضا