تستمر وسائل الإعلام العالمية وحلقات النقاش الدولية في الحديث المكثف عن سيطرة القوات المسلحة على الساحل الغربي وطرد التحشيدات السعودية، حيث تغوص التناولات في تحليل أبعاد هذا الحدث وتداعياته الاستراتيجية، خصوصاً على كل من أمريكا، والسعودية، والكيان الإسرائيلي. ولا يستثني هذا الاهتمام الواسع رصد تأثيرات هذا التطور الميداني المفصلي على دول الغرب، وكيف أنه يمنح اليمن ورقة ضاغطة ومؤثرة بالغة الثقل، تفرض واقعاً جديداً وترتيبات أمنية وسياسية يمنية خالصة تنبع من قرار وطني مستقل.
لكن المثير للاستغراب في هذا الاهتمام المحموم، أنه يقدم الأمر وكأن الساحل الغربي لا ينتمي إلى اليمن أصلاً، وسط استغراق عجيب وغريب في نسج المخاطر وصنع المآلات السوداء لمجرد أن اليمن استعاد جزءاً أصيلاً من أرضه وسيادته.
هذا التباكي الغربي غير المبرر إنما يكشف مدى الوقاحة والتجرؤ على دولة ذات سيادة تامة وجغرافيا معلومة متخذين من شعار حماية الملاحة الدولية غطاءً واهياً لاعتراضهم -المرفوض- على تحرير اليمن لأرضه وتطهير سيادته.
والأصل في الحكاية، أن الوجع الحقيقي الذي تعرضت له أمريكا من هذا التمدد الواثق للقوة اليمنية، يتمثل في الارتداد القاسي لهذا الأمر على حضورها الدولي وهيبتها التي تم تمريغها في وِحل السواحل اليمنية، حتى باتت عاجزة ولا تجرؤ على التحرك لإنقاذ ما بقي لها من رصيد زائف.
أما الوجع الأكثر تحفيزاً لكل دول النفاق والمتواطئين في سفك دماء الأطفال والنساء في فلسطين ولبنان واليمن والعراق وإيران، فهو الوضعية المذعورة التي بات عليها الكيان الصهيوني من جراء هذا الحدث التاريخي، والذي جعل من استهدافه وملاحقة أهدافه الملاحية أكثر سهولة ويسراً من أي وقت مضى.
مع كل ذلك، فإنه من الطبيعي التذكير، أولاً بأن القوات المسلحة اليمنية قد فرضت معادلات ردع جديدة كلياً، وخلطت الأوراق على كل القوى الاستعمارية، كاشفة عن حقيقة قوتها التي لا تتجاوز في الواقع قتل النساء والطفولة البريئة واستهداف المدارس والمستشفيات، علم العدو الأمريكي دروسا لن ينساها، ووصل إلى عمق العدو الإسرائيلي، وهذا الاقتدار اليمني الفذ على تجاوز كل الطبقات الدفاعية وتوجيه الصفعات الموجعة، قد تجلى بوضوح حتى قبل معركة تحرير الساحل الغربي.
وثانياً، إن هذا التحرك الوطني هو شأن سيادي يخص الشعب اليمني وحده، العازم بكل إصرار على تحرير كامل ترابه الوطني، وتطهير مياهه الإقليمية، وإنهاء أي تواجد أجنبي غاصب على أرضه الطاهرة.
وما بين كل ذلك، عجزت دول التفوق الاستخباراتي، وتلك المدججة بالأقمار الصناعية، وتلك التي سقطت في أبشع صور استغلال حاجة الناس للعمل معها كجواسيس وخونة، فشلوا جميعاً طوال اثني عشر عاماً من العدوان والحصار الظالم في إثبات أي خطورة يمثلها اليمن على أحد.
ينطلق اليمن في مواجهته الضارية لقوى الاستكبار من ثوابت ومبادئ إيمانية ودينية راسخة تسبق وتسمو على القوانين الدولية الوضعية. ولذلك، ورغم هستيريا الإعلام المعادي تصوير العالم وكأنه يوشك على الانهيار لمجرد تحرك اليمن نحو التحرر والاستقلال، فإن إصرار الشعب اليمني الصابر ومضيه قدماً في معركة الوجود والكرامة واكبه أداء ميداني منقطع النظير؛ حيث ظلت القوات المسلحة في عملياتها البرية والبحرية والجوية فوق كل الشبهات والتلفيقات، وكان الرصد يوثق للتاريخ مساراً ناصعاً، وراقياً، وأخلاقياً في مواجهة الأعداء؛ فلم تتعرض سفينة تجارية لضرٍ إلا إذا كانت في دائرة الحصار والارتباط بالعدو، ولم تُستهدف قط أي منشأة مدنية.
إن بقاء التخرصات الإعلامية والأصوات النشاز ما هو إلا تعبير بليغ عن حالة الإحباط العميق من قدرة الشعب اليمني المحاصر بالحقد والكراهية على النجاح في تقليم أظافر القوى الشيطانية. لم يكن ذلك طمعاً في توسع أو عدوان، بل كان دفاعاً مشروعاً عن النفس، واستعادة للحقوق المسلوبة والكرامة المستباحة فوق ربوع الوطن الحبيب.
