استثمار القداسة في سوق النخاسة

سند الصيادي

 

حين تضيق مسالك الميدان وتعجز أسلحة المواجهة عن كسر إرادة الشعوب، تتسع رقعة الاشتباك لتطال ساحات الوعي وأروقة الرموز الأكثر تجذراً في وجدان الأمة.

غير أن الزج بالمقدس الديني في خضم هذا النزاع يتجاوز حدود المناكفة السياسية العابرة؛ إذ يمثل المقدس في الوعي الجمعي حصناً منزهاً لا يقبل الابتذال، ومقاماً أسمى من أن يُطرح سلعةً في بورصة المساومات، أو تميمةً دعائية تُستدعى لترميم انكسارات الميدان.

تأتي الحملة الدعائية التي يعيد النظام السعودي تدويرها اليوم- زاعماً استهداف اليمن للمدينة المنورة أو تهديد المقدسات- امتداداً صريحاً لمعركة تزييف الرواية ومحاصرة الصورة الذهنية، فبدلاً من الثبات في موازين المواجهة العسكرية، يُراد حرف البوصلة قسراً نحو أقدس مهابط الوحي وأكثرها حساسية لدى المسلمين: مكة والمدينة، متجاوزا مكانتهما الروحية الجامعة التي تعلو فوق أهواء الدول ونزوات الحكومات.

وهنا تتجلى خطيئة التوظيف: كيف لنظام أدمن الخصومة أن يتخذ من حرمة الحرمين متراساً سياسياً لخصوماته المأزومة؟

إن الخطاب الجامع الصادر عن صنعاء بمختلف مستوياتها الثورية والسياسية والعسكرية والفكرية والاجتماعية يلتقي عند ثابِتٍ أصيل: أن مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والمسجد الأقصى ليست حيازات سياسية لدولة بعينها، ولا أوراق ضغط لتطويع الرأي العام وإثارة النعرات الإقليمية، وما هذه المحاولات إلا استثمار رخيص في عواطف مليار ونصف مليار مسلم، وإفلاس قيمي يفضح ضيق الخيارات بعد سنوات من العجز عن كسر صمود اليمن، لتغدو مهمة صنعاء مضاعفة في تفكيك هذه المناورة وكشف الورقة الأخيرة التي تشهرها الرياض كلما تآكلت تحالفاتها.

في ميزان الحقائق، تتكشف مفارقة صارخة تفضح زيف الخطاب المعتدي؛ ففي الوقت الذي تقدم فيه القوات المسلحة اليمنية خيرة رجالها على طريق تحرير المقدسات المركزية للأمة في فلسطين، متصدرةً جبهة الإسناد المباشر للأقصى ومتحملةً أعباء مواجهة قوى الاستكبار العالمي نصرةً لغزة، يعمد النظام السعودي إلى تصوير هذا الشعب المقاوم كمعتدٍ على مهبط الرسالة ومثوى النبي الأعظم!

لقد حددت اليمن قواعد اشتباكها بصرامة أخلاقية وعسكرية: ردعٌ مشروع تحكمه معادلة “المعاملة بالمثل”، وضربات جراحية دقيقة توجَّه حصراً إلى القواعد العسكرية ومنشآت التمويل الحربي لآلة العدوان، مع براءة تامة ومطلقة من كل بهتان يمس طهارة المشاعر ومحيطها الروحي.

ولم يكن صوت اليمن مجرد صدى لتفنيد المزاعم، بل قُرع كناقوس إنذار مبكر للأمة جمعاء، إن النظام الذي جرد الأماكن المقدسة من وقارها، وفتح أبواب بلاده للابتذال المنظم، وسجلت شبكاته اختراقات وصلت حد المتاجرة برمزية كسوة الكعبة في دهاليز الفساد والابتزاز الدولي، هو نظام مأزوم يفتقر إلى الوازع؛ ولن يتورع—في ذروة انسداد أفقه—عن تدبير حماقة أمنية أو افتعال عدوان يطال المقدسات، بغية إلصاق التهمة باليمن واستدرار تعاطف العالم الإسلامي،

هذا التحذير الصارم الذي اتى مدعماً بالشواهد التاريخية المظلمة لأسلاف النظام السعودي ، يحمّل الرياض المسؤولية الجنائية والأخلاقية والتاريخية عن أي عبث قد يمس أمن المشاعر وحرمة ضيوف الرحمن.

أما أولئك الذين سارعوا لترديد صدى الرواية دون تبين، متماهين مع شهادات الزور المدفوعة، فإن رهن مواقفهم بالمصالح الضيقة لن يغيّر من موازين الواقع في شيء، بل يجعلهم شركاء في حصار شعبٍ وتجويعه، وكان الأجدر بتلك العواصم المطالبة بلجان تحقيق مستقلة إن كانت صادقة في خشيتها، أو الاضطلاع بمساعٍ مسؤولة ترفع الحصار وتوقف نزيف الدم.

إن خلاصات الموقف تفرض استحقاقاً استراتيجياً ملحاً يتطلع إليه أحرار العالم الإسلامي: إنهاء احتكار المقدسات، فالحرمان الشريفان ليسا إقطاعية سعودية ولا تركة خاصة تُوظف لتشريع الحروب وعقد الصفقات، بل هما حرم جامع للأمة جمعاء، مما يوجب قيام إدارة إسلامية نزيهة ومستقلة تفصل بين مهام الرعاية الدينية وأهواء التجاذبات السياسية.

تخوض صنعاء اليوم معركتها بوعي صلب واقتدار؛ معركة عسكرية واقتصادية لكسر الحصار وردع العدوان، ومعركة فكرية وسياسية لتجريد الخصم من رداء “القداسة” المصطنع الذي يختبئ خلفه كلما تهاوت أوهامه، والرهان الثابت يظل معقوداً على يقظة الأمة وعلمائها في التمييز الجلي بين من يذود بالدم عن كرامة مقدساتها، ومن يعرض قبلتها في أسواق النخاسة السياسية لإنقاذ عروش تتآكل من الداخل والخارج بقلة بصيرتها واحقادها .

 

قد يعجبك ايضا