ليس مستغربًا أن يحظى السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي بهذا القدر من الاهتمام السياسي والإعلامي، وأن تتحول شخصيته وتجربته القيادية إلى مادة دائمة للتحليل في الصحافة ومراكز الدراسات الغربية؛ فالعالم لا يتوقف طويلًا عند القادة الاستعراضيين، وإنما عند أولئك الذين ينجحون في نقل شعوبهم من موقع التأثر بالأحداث إلى موقع التأثير فيها، ومن هامش المعادلة إلى صميمها، وفي ما يلي، يكمن السر الذي تحاول هذه المراكز الغربية تفكيكه.
إن انتقال اليمن من دولةٍ مستهدفة إلى قوةٍ تفرض حضورها، هو ثمرة إرادة واعية ومشروع أعاد للشعب ثقته وهويته وكرامته، وحوّل المعاناة إلى قوة صمود، والجغرافيا إلى عنصر تأثير، في ظل قيادة تعبّر عن تطلعاته وتصون استقلال قراره.
لم يكن ما جرى في اليمن والمنطقة تحولًا عابرًا، بل تغييرًا أصاب موازين القوة، ووعي الجماهير، وحدود الممكن السياسي والعسكري، ومن هنا صار السيد عبدالملك الحوثي، في وجدان جماهير واسعة، رمزًا للأمل واليقين، ونبراسًا في أحلك الظروف وأشد التحديات.
لا تُختصر قيمة هذا القائد في حجم القوة التي بُنيت في عهده، ولا في الصواريخ والطائرات المسيّرة أو القدرة على التأثير في خطوط الملاحة؛ فهذه ليست سوى نتائج ظاهرة لمسار أعمق، عنوانه بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وصناعة الثقة بين القيادة والشعب، وتحويل القضية من خطاب يُقال إلى موقف يُدفع ثمنه ويُدافع عنه.
لقد اجتمعت في هذا القائد خصال نادرًا ما تجتمع في قائد: وضوح الرؤية، والثبات على المبدأ، والقدرة على مخاطبة الجماهير بلغتها ووجدانها، والاستعداد لتحمل المسؤولية، والوفاء بالوعود، وربط القول بالفعل.
قلّما يجد المرء في عالم اليوم قائدًا يستطيع، بكلمة وموقف، أن يدفع جماهير واسعة إلى الخروج إلى الساحات في أشد مراحل القصف والحصار والفقر والمعاناة وهذا لا يُفسر بالجاذبية الخطابية وحدها؛ أو تحت أكاذيب الترهيب أو الترغيب، وإنما يفعلون ذلك حين يشعرون أن قائدهم يعيش آلامهم، ويعبّر عن تطلعاتهم.
وقد منحت هذه الصفات خطابه وزنًا يتجاوز الكلمات؛ لأن الجماهير اختبرت صدقه خلال سنوات الحرب والحصار، ورأت أن مواقفه لم تتبدل بتبدل الضغوط، وأن القضايا التي تبناها لم تكن أوراقًا للمساومة أو أدوات للاستهلاك السياسي.
لقد خاض الرجل، مع شعبه، واحدة من أعقد المواجهات في المنطقة، في ظل تحالفات عسكرية واسعة، وتفوق هائل في المال والسلاح والإعلام، وحصار قاسٍ استهدف الاقتصاد والمجتمع والحياة اليومية، في بلد حُرم من موارده وإمكاناته الطبيعية.
ومع ذلك، لم تنجح تلك الحملات، باعتراف مراكز أبحاث وصحف غربية، في إزاحته أو تقليص حضوره؛ فهذا القائد بحنكة وحكمة، أدار معركة الدفاع عن اليمن، وأسهم في بناء قدرات ردع غيّرت قواعد الاشتباك في المنطقة، وخرجت اليمن أكثر قدرة على فرض نفسها في المعادلة، وخرج هذا القائد من سنوات المواجهة أكثر تأثيرًا، بعد أن أعاد تعريف موقع البلاد في الإقليم.
وفي زمن غابت فيه المواقف الجادة تجاه قضية الأمة المركزية وانكفأت أنظمة كثيرة خلف مصالحها، لم ينكفئ هذا القائد على الجراح، فقد التحم بقضايا الأمة بكل إيثار، وبعيدا عن حسابات الربح والخسارة أو المصالح الآنية، انطلق من مسؤولية قرآنية وأخلاقية ترى أن قضايا الحق والعدل لا تتجزأ، وأن من يدافع عن حريته لا يقف متفرجًا على حرمان غيره منها.
تجاوز حضور السيد عبدالملك الحوثي حدود الجغرافيا الوطنية، وأصبح اسمه حاضرًا في حسابات القوى الإقليمية والدولية وتقديرات المؤسسات العسكرية ومراكز الأبحاث؛ حضورًا لم تصنعه الدعاية أو تقزمه، جاء برسم الوقائع وتراكمات المواجهة والتحولات التي أحدثها اليمن في موازين القوة.
وما تكتبه الصحف الغربية اليوم ليس صناعة لصورة هذا القائد، هو اعتراف متأخر بواقع صنعته سنوات من الصمود والمواجهة، ومراحل أثبتت أن القوة الحقيقية لا تنفصل عن الوعي، وأن امتلاك السلاح وحده لا يصنع النصر ما لم تسنده قيادة قادرة على تعبئة المجتمع حول هدف واضح.
إنه قائد يشبه شعبه، ويشاركهم آلامهم، ويعبّر عن أحلامهم، ونموذج يؤكد أن القائد الحقيقي لا يُصنع في غرف العمليات المغلقة، وإنما تصنعه خنادق الجبهات وساحات الجماهير ومواقف الشدائد.
وما دام هذا الالتحام قائمًا، ستظل محاولة إخضاع اليمن أو انتزاع قراره مهمة شاقة، وسيبقى البلد عصيًا على مشاريع الوصاية، حاضرًا بإرادته وقوته وموقفه في معادلات المنطقة وقضايا الأمة.
