يدخل قرار الحظر اليمني للملاحة البحرية السعودية في البحر الأحمر أسبوعه الثالث، بعد أن أعلن قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، أواخر الشهر الماضي، تثبيت معادلة الحصار بالحصار، ويبدو أن المعادلة ستستمر، وربما تتصاعد ما استمر إصرار النظام السعودي على حصار اليمن، ورفض تنفيذ الاستحقاقات الإنسانية التي نصت عليها خارطة الطريق، ووافقت عليها الرياض بوساطة عمانية في عام 2023.
المعطيات الميدانية تؤكد نجاح صنعاء في منع ناقلات النفط والسفن التجارية السعودية من المرور عبر منطقة العمليات في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، بما يحمله هذا المنع من تداعيات ثقيلة تستنزف الاقتصاد السعودي، وتفرض على الملاحة البحرية السعودية مسارات إجبارية طويلة ومكلفة في آن، في ظل تراجع حركة الصادرات النفطية والواردات التجارية التابعة للرياض، واستجابة شركات الشحن، وما ترتب على ذلك من ارتفاع كبير في كلف الشحن والتأمين، ما يعني أن رحلة السفينة الواحدة ستستغرق مدة زمنية تتراوح بين 30 و60 يوماً، في تأثير ملموس على سلاسل الإمداد.
تثبيت صنعاء معادلة “الحصار بالحصار” جاء كنوع من الرد المشروع على الحصار السعودي، واستنزاف اقتصاده، ومضاعفة كلفه، وهذا ما سيتحقق من خلال مسارين اثنين، هما:
– استهداف السفن السعودية أو المرتبطة بها في حال مخالفتها لقرار الحظر اليمني، وذلك بالصواريخ والمسيّرات المناسبة، كما حصل أواخر الشهر الماضي لأربع ناقلات نفطية، وفق بيانات القوات المسلحة اليمنية.
– إجبار ناقلات النفط وسفن الواردات التجارية على تغيير مساراتها ذهاباً وإياباً عبر رأس الرجاء الصالح، وقد نجحت القوات المسلحة في تغيير مسار أكثر من 16 سفينة، وفق ما أعلنته مصادر متخصصة في الملاحة البحرية.
القوات المسلحة اليمنية أكدت أن “إجبار سفن النفط السعودية على تغيير مسارها يأتي في إطار تثبيت معادلة الحصار بالحصار، ونتيجة إحكام الحظر البحري على سفن العدو السعودي”، فيما تشير مواقع ملاحية دولية إلى أن باب المندب شهد خلال الأسبوعين الماضيين أعلى نسبة تدفق لسفن غير السعودية، وهذا ما يؤكد الرواية اليمنية، ويُسقط المزاعم السعودية التي تصور اليمن كمصدر مهدد للملاحة الدولية.
الردع العسكري ومعادلة الحصار
تسعى صنعاء إلى تكريس الندّية والردع العسكري المباشر مع النظام السعودي، ليس مجرد استعراض بالقوة أو خدمة لأجندة معينة كما تروج الدعاية المعادية، وإنما ترجمة لإرادة الشعبية نابعة من شعور عميق بالظلم والغبن المستمر سعودياً منذ 12 عاماً، وبالتالي فإن صنعاء اضطرت إلى فرض هذه المعادلات كخيار ضرورة لمواجهة المساعي السعودية لتكريس الحصار وتشديد حلقاته أكثر فأكثر، بشراكة أمريكية بريطانية لخنق الشعب اليمني، و”دفعه نحو الانهيار”.
وهذا ما أكده السيد عبد الملك في خطابه الأخير بأنه “كان لا بد في مقابل الحصار السعودي من تحرك جاد”، واعتبر أن ذلك لا يعني إدارة الظهر لقضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وأن “تحرك اليمن في مواجهة العدوانية السعودية هو في الاتجاه نفسه والموقف من قضايا الأمة؛ لأن العدو السعودي يتحرك كجزء من المنظومة الصهيونية… ولأن شعبنا اليمني من أكثر الشعوب معاناة واستهدافاً من النظام السعودي في إطار المخطط الأمريكي، وبما يخدم العدو الإسرائيلي”.
وترى صنعاء أن السعودي، والأمريكي، والبريطاني، وغيرهم، لا يملكون الحق في “مصادرة حقوق شعبنا الإنسانية المعترف بها في كل المواثيق والقوانين الدولية”، وهنا من المفيد الإشارة إلى أبرز مظاهر الحرب الإنسانية والاقتصادية الظالمة التي مارسها النظام السعودي ضد الشعب اليمني على مدى 12 عاماً، وخلال العقود والفترات الماضية قبل أن يتصدر “أنصار الله” المشهد في اليمن، ويمكن تلخيص أبرز تلك المظاهر في النقاط الآتية:
– تدمير البنية الاقتصادية للبلاد من خلال القصف الجوي والحرب الاقتصادية، وبخسائر مباشرة وغير مباشرة تتجاوز التريليون دولار، وفق مصادر رسمية في صنعاء.
– النظام السعودي عمد مؤخراً إلى فرض إجراءات وتعقيدات تعسفية ظالمة على الواردات التجارية والبضائع؛ للإسهام في رفع أسعار السلع بنسبة 400 %، بهدف تعميق وتأزيم الوضع المعيشي للمواطن اليمني، في ظل وضع فرضه العدوان والحصار.
– استمرار فرض الحظر الجوي على مطار صنعاء، والتحكم بقرار تشغيله، ومحاولة الوصاية عليه لمنح التراخيص وتحديد الوجهات، وبشكل أسهم في تعميق المعاناة والكارثة الإنسانية والصحية.
– حرمان الشعب اليمني من عائدات 90 مليون برميل من النفط سنوياً، ومن عائدات ثروة غازية كبيرة وواعدة لصالح المرتبات والخدمات.
– حرمان الشعب اليمني من خدمة الكهرباء من المحطة الغازية في مأرب.
– تدخلت السعودية بشكل سافر لمنع الحكومات اليمنية السابقة من استخراج النفط في محافظتي الجوف والمهرة، وتسقيف الكمية المسموح باستخراجها وفقاً لما يريده السعودي؛ لأنه لا يزال طامعاً في ذلك النفط.
هذه المظاهر تكشف السلوك السعودي تجاه اليمن واليمنيين عبر التاريخ، وتبرهن على أن سياسة الإفقار والحرمان مرتبطة بحقد تاريخي سعودي، ولا علاقة لها بخيارات التحرر والاستقلال التي حملتها القوى الوطنية، بمن فيها “أنصار الله”، وهذا السلوك السعودي يهدف إلى إبقاء اليمنيين، كل اليمنيين، في حالة فقر وبؤس واحتياج وارتهان للنظام السعودي، المرتهن بطبيعة الحال لأجندة الصهيونية، والحصار المفروض والمشدد اليوم هو استكمال لعملية عقاب جماعي قديمة، وجاءت الإجراءات الأخيرة على خلفية مساندة اليمن لغزة، ما يعني أن الحصار أصبح “ممارسة ظالمة” تعمق معاناة اليمنيين في كل مجالات حياتهم لإخضاعهم أو تجنيدهم سعودياً في معسكر الصهيونية مقابل الفتات من المال الزائل، وهذا ما يرفضه أحرار اليمن مطلقاً، ويرون بالتالي أن المعركة لم تعد اقتصادية إنسانية فحسب، بل باتت معركة حرية وكرامة.
الدور الوظيفي للنظام السعودي كـ”أداة بيد الصهيونية” ليس وليد العقد أو العقدين الماضيين، بل حقيقة تاريخية أثبتت أن النظام السعودي لا يحترم حق الجوار، ولا يحترم اليمنيين، ولا الدم والسيادة اليمنيين، إذ بدأت فصول العدوان السعودي على اليمن قبل أن تظهر الجمهورية الإسلامية أصلاً. ففي عهد الدولة السعودية الأولى التي أُنشئت برعاية بريطانية، ومكّنت الحركة النجدية الوهابية، بدأت الوهابية السعودية عدوانها على اليمن، واستباحت “زبيد” و”حضرموت”، ودمرت المنازل والمساجد بحجة أن أبناءها “مرتدون” و”كفرة”؛ لأنهم لم يستجيبوا للدعوة الوهابية.
في عام 1934م، في عهد مؤسس الدولة السعودية الثالثة عبد العزيز آل سعود، اعتدى النظام السعودي على اليمن بدفع بريطاني لم يكن خافياً حينها، وظلت السعودية طيلة العقود الماضية هي صاحبة الامتياز في فرض الوصاية والتحكم بثروات اليمن وخياراته، حتى على مستوى التعيينات الرسمية، وعمدت الرياض إلى تجنيد ما لا يقل عن 40 ألف يمني، بينهم مسؤولون، ومشايخ، وعلماء، ودعاة… إلخ، ضمن ما يُعرف باللجنة الخاصة، وهي لجنة ذات أبعاد استخباراتية تهدف إلى إبقاء اليمن تحت السيطرة وفي بيت الطاعة.
ولأن اليمن اليوم يمن ثورة 21 سبتمبر، شبّ عن الطوق، ويتطلع نحو الاستقلال والسيادة مع احترام حسن الجوار، فإن السعودية لم يرق لها ذلك، فشنّت عدوانها الظالم على اليمن في 26 مارس 2015م، من دون أي مبرر، وبدعم أمريكي وبإعلان من واشنطن. ولأن اليمن في هذه المرحلة يطالب بحقوقه ويفرض معادلات ردع لانتزاعها، فإن السعودية تسعى بدفع أمريكي- بريطاني- إسرائيلي واضح لتشكيل “تحالف بحري” رفضته 30 دولة، وقبلت به 12 دولة فقط مجاملة (المرتزقة لا يمكن اعتبارهم دولة)، بحجة “حماية الملاحة الدولية”، مع أن العمليات اليمنية لا تهدد أحداً، ولا تعني إغلاق باب المندب أمام الملاحة الدولية، وتقتصر حصراً على الملاحة السعودية، فما قصة هذا التحالف، ومن أين جاءت فكرته، وما موقف صنعاء من كل ذلك؟
«تحالف بحري جديد”.. واجهة سعودية بأجندة صهيونية
مؤخراً، تداولت وسائل إعلام عربية وغربية أن السعودية شكّلت “تحالفاً بحرياً… لحماية الملاحة الدولية”، لكن الحقيقة عكس ذلك تماماً، فما كان فكرة صهيونية بامتياز منذ أواخر عام 2023 بات مشروعاً يتعهده ويحشد له النظام السعودي في عام 2026 كمدير تنفيذي وكيان وظيفي وأداة تحركها الصهيونية.
ما يعزز ذلك أن قناة “كان” الصهيونية كشفت في عام 2023 أن: “إسرائيل توجهت بشكل رسمي إلى عدة دول، بينها بريطانيا واليابان، من أجل تشكيل قوة بحرية في إطار تحالف دولي يعمل في منطقة باب المندب، من أجل ضمان حرية السفن في المنطقة”، وقد جاء هذا التوجه نتيجة الإحباط الصهيوني حينها من فشل التحالف الأميركي- البريطاني “تحالف الازدهار” والأوروبي “عملية أسبيدس” في تأمين الملاحة الصهيونية ومنع استمرار عمليات الإسناد اليمني.
وحين فشل الكيان الصهيوني في بلورة المشروع، أُنيطت المهمة بالنظام السعودي كأداة تنفيذية لخدمة الصهيونية، فاستضافت الرياض أواخر عام 2025 مؤتمراً دولياً بالشراكة مع بريطانيا، بهدف فك الحصار اليمني على كيان العدو، وتزامن المؤتمر حينها مع لقاء بين وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، والأمر ذاته يتكرر في عام 2026 بعد لقاءات ترامب بخالد بن سلمان ونتنياهو في واشنطن.
موقف صنعاء
أمام هذا التحالف الذي وُلد ميتاً، وجاء من رحم تحالفات سابقة فشلت في كسر الإرادة اليمنية، تؤكد صنعاء لكل دول العالم بأن معركتها مع الرياض هي “لاستعادة الحقوق الإنسانية ورفع الحصار الظالم منذ اثني عشر عاماً”، وتحذر من أن “أي عسكرة للبحر الأحمر ستخلق حالة من عدم الاستقرار، وستؤثر على الملاحة الآمنة حالياً في البحر الأحمر وباب المندب”، وتؤكد بأن “الأمن لا يتجزأ”، وأن أقرب الطرق لتأمين المصالح السعودية مرهون بإنهاء ملف العدوان ورفع الحصار السعودي كلياً عن اليمن.
