ليس من قبيل المصادفة العابرة، أن يتشابه الكيان السعودي الوظيفي، والكيان الإسرائيلي الإحلالي الغاصب، في معظم الجوانب والتمظهرات الوجودية، سواء من حيث اعتناق الفكر الأصولي المتشدد، والعنصرية الدينية القائمة على مبدأ تكفير الأغيار مطلقا، واستباحة دمائهم وأعراضهم وممتلكاتهم، وصولا إلى عقيدة “ليس علينا في الأميين سبيل”، ناهيك عن الدلالات الرمزية للشعار وعلم الدولة، واستراتيجية التوسع والاحتلال وبسط النفوذ على الأراضي المجاورة، ولا فرق بين “مملكة آل سعود الكبرى”، و”مملكة إسرائيل الكبرى”، بالإضافة إلى تزامن النشأة التاريخية، وواحدية الراعي الاستعماري (بريطانيا)، ولا فرق بين كيان صهيوني نشأ بهدف اغتصاب الأرض، وكيان متصهين نشأ بهدف تسهيل مهمة صنوه السياسي.
ولذلك لن يكون غريباً، على من يقرأ تفاصيل المشهد السياسي والجيوسياسي المعاصر، أن يرى هذا التماهي الفاضح والانصهار الكامل، في الرؤى والتصورات والسياسات والتوجهات، بين نظام الرياض المتصهين، والكيان الصهيوني الغاصب؛ فالمنبت الفكري واحد، والموجه الراعي القابع في واشنطن واحد، والضحية المستهدفة واحدة؛ هي روح الأمة الإسلامية، ومحاور مقاومتِها الحية والفاعلة، وها هو ذلك التماهي بين السعودي والإسرائيلي، يتجلى ويصبح أكثر وضوحا، يوما بعد يوم؛ فالمحتل الغاصب الإسرائيلي الصهيوني، لم يكن مجرد حليف للسعودي، وإنما هو منهج حياتي ونهج سياسي، يحمله السعودي ويؤمن به ويتمثله، وقد ظهرت معظم تلك الحقيقة بأقبح صورها السريالية، في تفاصيل العدوان السعودي الوحشي على اليمن، وصولا إلى نهج المفاوضات الذي يمكن تسميته بـ”مفاوضات الحيص بيص”؛ تلك الدائرة المفرغة من المماطلة والالتفاف، التي تديرها السعودية مع صنعاء، محاكيةً “المنهجية الإسرائيلية” التفاوضية العقيمة بحذافيرها، في التعامل مع الحقوق والمواثيق.
إن “الحيص بيص” في المفهوم اللغوي والواقعي، هو الوقوع في الضيق والارتباك والاختلاط، الذي لا مخرج منه، وهو التوصيف الدقيق لحالة النظام السعودي، الذي يجد نفسه اليوم عاجزاً عن حسم الحرب عسكرياً، وخائفاً في الوقت ذاته من استحقاقات السلام الحقيقي، الأمر الذي جعله يستعير عصابة الكيان الإسرائيلي المحتل، نهجها وتكتيكها التفاوضي الشهير، القائم على: التفاوض من أجل التفاوض، وتحويل المبادئ السيادية الثابتة، والاستحقاقات الإنسانية المؤكدة، إلى ملفات إجرائية قابلة للمساومة، واستخدام عامل الوقت، كأداة لتشديد الحصار وخنق الشعوب، وتمييع المطالب المحقة واستبدالها بما يقره من الفتات، في محاولة تافهة بائسة، لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه ترسانات الأسلحة والطائرات، والمجازر الجماعية الوحشية وعمليات الإبادة الشاملة.
وقد تجلت “المنهجية الإسرائيلية” التفاوضية، بنكهتها السعودية التفكيكية، في عدة مسارات منها:
أولاً: تفخيخ العناوين الإنسانية وتسويفها
كما يفعل الكيان الصهيوني – تماما – في تحويل ملفات المعابر والغذاء، وحرية الحركة في فلسطين المحتلة، إلى أوراق ابتزاز سياسي وأمني، يمارس كيان الرياض المنهجية ذاتها، مع ملف المرتبات ومطار صنعاء وميناء الحديدة، وملف تبادل الأسرى، حيث يتعاملون مع القوت الضروري لليمنيين، والملفات الإنسانية الملحة، ليس كحقوق أصيلة مستحقة ثابتة، بل كأنها “مكرمة” ملكية، أو كروت ضغط يمنحونها ويمنعونها، وفقاً لمزاج السيد الأمريكي، متناسين أن الحقوق لا تُستجدى بل تُنتزع.
ثانياً: الضجيج الإعلامي والسراب السياسي
تتقن السعودية اليوم لعبة “صناعة الأمل الكاذب”، واللعب على مشاعر الجماهير، عبر تسريب أنباء عن تفاهمات، وتقدم في الحوارات والمفاوضات، ثم يعقبها مباشرة تراجع ونكوص عند محك التنفيذ الفعلي، وهذا التكتيك هو استنساخ كربوني، لملفات “اتفاقيات السلام” الفلسطينية والعربية الصورية، حيث يُستخدم الضجيج الدبلوماسي، لتنويم الطرف الآخر، وتخفيف الضغط الدولي والإقليمي، بينما تستمر على الأرض سياسة القضم والحصار، وإعادة ترتيب صفوف المرتزقة والأدوات.
ثالثاً: الهروب من استحقاق “الطرف” إلى عباءة “الوسيط”
بأسلوب غاية في الانحطاط والاستكبار والصلف، وبمنتهى درجات الوقاحة السياسية، يحاول النظام السعودي تقديم نفسه كـ”وسيط”، بين اليمني واليمني، هرباً من التزاماته كقائد للتحالف، ومسؤول أول عن جرائم الإبادة والدمار وإعادة الإعمار، تماماً كما تقدم واشنطن نفسها وسيطاً “دبلوماسيا”، في الصراع العربي الإسرائيلي، بينما هي الشريك الفعلي في الجريمة، ويمكن القول إن هذا الانفصام السياسي، يعكس عمق المأزق الأخلاقي والمعرفي لآل سعود وأسيادهم، الذين يرفضون الإقرار بـالهزيمة الاستراتيجية، أمام صمود اليمن الأسطوري العظيم.
ختاماً: يمن الكرامة يكسر الطوق ويصنع المعادلة
إن ما غاب ويغيب عن وعي المخطط السعُودي، والجهبذ الصهيوني وصانع السياسات الأمريكي، على حد سواء، هو أن اليمن الجديد “يمن المشروع القرآني”، لم يعد يمن التبعية والرضوخ والاستلاب، ولن يعود كذلك؛ ما دام هذا القائد الرباني الحكيم، السيد القائد العلم المجاهد/ عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله-، وما دامت هذه القيادة السياسية “في صنعاء”، مسنودة بتفويض شعبي طوفاني، وجيش جهادي عقائدي، يمتلك من أدوات الردع الاستراتيجي (براً وبحراً وجواً)، ما يجعله قادراً على بعثرة الأوراق، وإغلاق “دكاكين الحيص بيص”، بضربة واحدة.
إن الصبر الاستراتيجي للشعب اليمني، ليس شيكاً على بياض، بلا سقوف ولا حدود إلى ما لا نهاية، والمعادلة باتت واضحة كالشمس في رابعة النهار: إما سلام حقيقي، عادل، كامل، يرفع الحصار ويفي بالالتزامات، وإما العودة إلى لغة الحديد والنار، وتحرير كامل التراب الوطني، وانتزاع الحقوق والسيادة، وحينها لن تجد الرياض ملجأً يقيها من بأس الرد اليماني، الذي خبرته وذاقته جيداً، “ولله عاقبة الأمور”.
