في جغرافيـا الصمـود اليماني، حيث تعانق جبـال صنعاء السمـاء كشواهد حيـة على كبرياء شعب يرفض الانحنـاء، لم يكن حصار مطار صنعاء الدولي مجرد إجراء تعسفي إجرامي أو تكتيك عسكري عابر، بل كان محاولة يائسـة لخنق أمّـة بأكملها، وعزلها خلف أسوار الصمـت والموت البطيء.
غيـر أن هذه الأرض المجبولة بِعـزّة النفس والشمـوخ سرعان ما قلبت الطاولة على واضعي سيناريوهات الإخضـاع، لتخـط بإِرادتهـا وإدارتهـا ملحمة تاريخيـة عنوانهـا الأبرز: ) اليمنيـون وكسـر الحصار.. إرادة وإدارة)
لقد راهـن الأعـداء على صمت القبـور وأن يركع الشعب اليمنـي أمام أنيـن المرضى وعجـز المسافرين، متناسيـن أن في اليمـن شعباً يعشق التحـدي، وقادة يتقنـون قراءة الموازيـن وتوجيـه الضربات المُبـاغتة في الوقت والمكان المناسبيـن.
وفي غمـرة تلك اللحظات العصيبـة، حين كانت الأجـواء اليمنيـة تُعلن كمنطقـة مغلقة بقرار استكبـاري إِجرامي جائـر، برزت إلى الأفق مغامـرة بطوليـة كُبرى كسرت رتابة الخوف وفرضت واقعـاً سياسيـاً وعسكرياً جديداً؛ تمثلت في تحليق الطائرة الإيرانيـة التي شقت عباب السمـاء متجهة صوب العاصمة الأبيـة، متحدية الحظر الجوي ومخاطر الاعتـراض الحربي والتهديد العسكري المباشـر من قُوى العـدوان والحصار التي كانت ترى الأجـواء اليمنيـة ملكاً خاصاً بها.
لقد كان هبوط تلك الطائرة على مدرج مطار صنعاء الدولي للمرّة الأولى، وعلى مدرج مطار الحديدة للمرّة الثـانيـة وسط كل تلك المخاطر الجسيمـة والتحديات الأمنيـة البالغـة التعقيـد، أكثـر من مجرد رحلة طيـران اعتيادية، بل كان صفعـة سيادية مدوية في وجـه قوى البغي والعدوان، وإعلاناً صريحـاً بأن القيـود المصطنعـة يمكن أن تتبخر أمام شجاعـة اتخاذ القرار وعمـق التحالفات الرافضـة للهيمنـة، لتمثل تلك الخطوة الجريئـة أول شرخ حقيقي وملموس في جـدار العزلة المفروضـة، وتبشّـر اليمنيّيـن بأن سماءهم لن تظل مستباحة لأهواء التحالفات الظالمـة.
“إن الطائرة التي خرقت جدار الصمت وحلّقت رغمـاً عن التهديـد والوعيـد، أثبتت للعالم أن معادلات القُـوّة لا ترسمها الخطوط الحمـراء الواهية، بل تصنعها الشجاعـة التي تتجاوز حدود الخوف.”
من هذا المفصل التاريخي والتحوّل الاستراتيجي، تحركت عجلة الدفاع اليمنيـة على مسارين متوازيين يكمل أحدهما الآخـر: إرادة شعبيـة أسطورية تأبى المساومـة على حقوقها السيادية، وإدارة عسكرية وأمنيـة محنكة أدركت أن كسـر الحِصـار لا يتم بالاستجـداء على أعتاب المنظمات الدوليـة، بل بانتزاع الحقوق بقـوّة الردع ولغة النـار. وهكذا، صيغت بأيدي رجال التصنيـع العسكري معادلة الردع الاستراتيجي “المطار بالمطار، والمنشأة بالمنشأة”، لتتحوّل الصواريخ الباليستيـة والطائرات المسيّـرة إلى حراس حقيقييـن لسيادة الأجـواء، وتفرض على المعتدين معادلة توازن رعب لم يكن لديهم مفـر من الرضوخ لشروطها الصارمـة. وفي ذات الوقت، كانت العقول الفنيـة واللوجستيـة اليمنيـة تثبت قدرة مذهلة على إعادة الروح إلى مدرجات المطار وتجهيزاته الحيويـة رغم أطنان القنابل والدمار، في تنسيق عبـقري أظهر للعالم كيف يمكن للإدارة الذكيـة والصلبة أن تحوّل المُعاناة إلى رافعـة للنصر والسيادة.
واليـوم، والرحلات الجوية تستأنف حركتها وتطيـر الأجنحـة مجدداً في سماء صنعاء والحديـدة، لا يرى العالم في مطارات اليمـن الدوليـة مجرد منفذ سفر، بل يرى رموزاً لسيـادة وطنيـة لم تكسرها السنيـن، وعنواناً لبلد انتزع حقـه في الحيـاة والحرية والاتصال بالعالم رغماً عن أنف الطُغـاة. إنها الملحمـة التي تذكر الجميـع بأن الشعوب الحرة التي تتسلح بإرادتها وتحسـن إدارة معاركها، لا بد لها في نهاية المطاف أن تحلّق طائراتها في سماء الكرامة، رافعـةً رايات النصـر والشموخ فوق قممِ عاصمتها الأبيـة التي لا تقبل الضيـم ولا ترتضي بغيـر السيـادة الكاملة بديلاً.
