حين تفيض الأيام بنورها وتتفتح أبواب السماء لرحمة أهديت للعالمين يقف الزمان إجلالاً وتستعيد الذاكرة الإنسانية أثرى إشراقاتها على الإطلاق.
إنها ذكرى المولد النبوي الشريف اللحظة الفارقة التي لم تكن مجرد مولد إنسان بل كانت انبلاج صبح جديد لأمة غارقة في الظلمات وبداية عصر أُعيدت فيه للإنسان كرامته وللحق صوته في هذه الذكرى العطرة لا نكتفي باستحضار التاريخ بل نطرق أبواب السيرة لنستمد منها القبس الذي يضيء دروبنا المعاصرة ونعيد قراءة الرسالة التي اختزلت كل معاني الرحمة والعدل والإخاء.
تعود إلينا كل عام رائحة الفجر الأول ذلك الفجر الذي انبلج قبل أكثر من أربعة عشر قرناً في مكة فبدل ظلام الجاهلية بنور وبدل قسوة القلوب برحمة وبدل تشتت القبائل بأمة.
إنها ذكرى ليست حدثاً مؤرخاً في كتب السير فحسب بل هي محطة وجدانية تتجدد معها البشرية لتسأل نفسها: أين نحن من ذلك النور؟
في الثاني عشر من ربيع الأول لم يولد رجل عادي ولدت رسالة وولدت قيم غيرت وجه التاريخ.
ولد محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم يتيماً فرباه اليتم على العطف بالضعيف وراعياً للغنم فعلمه الرعي معنى المسؤولية عن الرعية وتاجراً أميناً فصاغته الأسواق على الصدق.
لم يأت ليهدم ما قبله هدماً بل جاء ليتمم مكارم الأخلاق ليقول للعالم إن العظمة ليست في السيف وإن السيادة ليست في المال وإن القيادة ليست في الصوت العالي بل في الرحمة التي وسعت حتى الأعداء وفي العدل الذي أقامه حتى على أقرب الناس.
ذكرى المولد ليست احتفالاً بالماضي وإغلاقاً لملفه بل هي استدعاء حي لمعانيه في حاضرنا المثقل نحن اليوم أحوج ما نكون إلى سيرته حين تتنازعنا الحروب الصغيرة وحين يصبح الكذب مهارة والغلظة شجاعة والأنانية ذكاء أحوج ما نكون إلى “تبسمك في وجه أخيك صدقة” في زمن قطبت فيه الوجوه أحوج ما نكون إلى “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” في زمن انتصر فيه الفرد على الجماعة أحوج ما نكون إلى “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” في زمن صارت فيه قلوبنا أقسى من الحجارة.
ما الذي يعنيه أن نحتفي بالمولد النبوي اليوم في صنعاء وفي تعز وفي عدن وفي كل بيت يمني؟ يعنيه أن نذكر أن صاحب الذكرى جاء إلى قوم كانوا غارقين في الثأر والقبلية والفقر فصنع منهم دولة وصنع من الجهل علماً ومن الفرقة أخوة. ويعني أن ندرك أن الخلاص لا يأتي من الخارج بل يأتي حين نعيد إلى داخلنا ذلك الخلق الذي قال عنه ربه: “وإنك لعلى خلق عظيم”. يعنيه أن نطفئ نيران الكراهية التي بيننا بماء التسامح الذي كان منهجه وأن نرد الحقوق لأهلها كما رد الأمانات يوم فتح مكة.
ولعل أبلغ ما تقتضيه منا هذه الذكرى في زماننا الراهن هو الانتقال بآثاره عليه الصلاة والسلام من نطاق الشعار إلى فضاء الممارسة ومن دائرة العاطفة المجردة إلى ميادين العمل والإنجاز.
لقد بنى النبي الكريم مجتمعاً لم يكتف بالزهد والعبادة بل أسس للحضارة عبر إعلاء قيمة العلم وإتقان العمل وعمارة الأرض والوفاء بالعهود.
إن العودة الصادقة لنبي الرحمة تتجلى اليوم في طبيب يتقي الله في مرضاه ومعلم يغرس الأمل في نفوس طلابه ومسؤول يرعى أمانته بصدق ومواطن يسعى لترميم جراح وطنه بكلمة طيبة ويد تبني ولا تهدم.
إن الرسالة النبوية لم تكن يوماً صرخة في واد انتهى أثرها بانتهاء عصر النبوة بل هي شريعة حية ونبض متجدد تمنح الأمة في أوقات انكسارها القدرة على النهوض من جديد وحين نستمسك بالجوهر الأخلاقي لهذه الرسالة ندرك تماماً أن النور الذي يبدد ظلمات أزماتنا وتشتتنا موجود في داخلنا ينتظر منا فقط أن ننفض عنه غبار الغفلة لنصنع حاضرنا بيده ونستشرف مستقبلنا بأخلاقه.
إن الاحتفاء الحقيقي هو أن نربي أبناءنا على سيرته لا على قصصها فقط وأن نجعل من “محمد” قدوة في البيت وفي السوق وفي المسجد وفي الحكم أن نكون أمة تقرأ القرآن قراءة عمل لا قراءة ترانيم فقط وأن نحول ذكراه من مناسبة موسمية إلى مشروع حياة.
في هذه الذكرى العطرة تقف الأمة أمام مرآة السيرة لتسأل: هل ورثنا عنه الرحمة فنحن نرحم صغارنا وكبارنا؟ هل ورثنا عنه العدل فنحن نقيمه ولو على أنفسنا؟ هل ورثنا عنه التواضع فنحن نخدم ولا نتكبر؟ إذا كانت الإجابة نعم فقد احتفلنا حقاً. وإذا كانت لا فما زالت الفرصة قائمة لأن ميلاده لم يكن لزمانه وحده بل كان ميلاداً متجدداً لكل زمان.
كل عام ونحن أقرب إلى سنته كل عام ونحن نستلهم من سيرته دواء لجراحنا كل عام والأمة تذكر أن النور الذي أشرق من غار حراء لا يمكن أن ينطفئ ما دام في القلوب من يحمله وفي الأيادي من يعمل به وفي الألسن من يصلي عليه.
ختاماً.. تظل ذكرى المولد النبوي الشريف أكبر من أن تحد بحدود الزمان وأعمق من أن تختزل في مراسم الاحتفاء إنها نداء سرمدي يتجدد في أعماقنا لنهتدي بهديه ونقتفي أثره إن أصدق وفاء لنبي الرحمة هو أن نمثل أخلاقه في واقعنا وأن نكون مشاعل للخير والسلام في مجتمعاتنا ليبقى ذلك النور الذي انطلق من مكة حياً في قلوبنا ونافعاً في أفعالنا وهادياً لأجيالنا.
صلوات ربي وسلامه عليه وآله ما أشرقت شمس وما تعاقب الليل والنهار اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون وكل عام والإنسانية جمعاء إلى نهجه أقرب وبأخلاقه أسمى وأرقى
