في معركة كسر العظم الجيو-اقتصادي:كيف أسقطت طهران حصار واشنطن وأعادت صياغة معادلات القوة في المنطقة؟

تتكشف فصول المواجهة الاقتصادية في الخليج عن فشل استراتيجي متراكم للإدارة الأمريكية، التي توهمت أن فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج كفيل بتركيع طهران وإجبارها على تقديم تنازلات سيادية. بيد أن الحسابات الأمريكية التي بنى عليها الرئيس دونالد ترامب رهانه في لعبة «كسر العظم» الاقتصادي بدأت ترتد عكسياً على أسواق الغرب؛ فبينما يرتفع التضخم في أنحاء العالم وتدق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأبواب، تثبت طهران قدرة فائقة على الصمود والالتفاف على هذا الحصار مستندة إلى استراتيجية «اقتصاد المقاومة».

الثورة / أحمد المالكي – يحيى الربيعي

 

هذا الصمود ترجمته حقائق الميدان المالي؛ فرغم التقارير الغربية، ومنها ما أوردته وكالة «رويترز»، التي توقعت انكماش الناتج المحلي الإجمالي لإيران وتحدثت عن هبوط الريال بنسبة 70 % خلال العام الماضي و15 % خلال الأيام القليلة الماضية، إلا أن الواقع العملي أكد استقرار العملة الوطنية قريباً من مستواها قبل الحرب، دون أن تظهر على الدولة أي مؤشرات لضغوط مالية وشيكة أو ارتباك في جبهتها الداخلية.

وفي سياق التدفق المالي والتمويني، لم تتخذ السلطات الإيرانية أي إجراءات استثنائية تقيد سحب الأموال من البنوك، ولم تلجأ إلى تحديد حصص للوقود أو السلع الغذائية الأساسية، في حين تواصل الشركات والمصارف عملها بانتظام كامل مع انتظام صرف رواتب موظفي الدولة وتوفر البضائع في الأسواق. ويعود هذا الثبات البنيوي إلى تفعيل شبكة واسعة من البدائل الجيوسياسية والتجارية؛ إذ أكد مصدر مسؤول في البنك المركزي الإيراني لـ»رويترز» أن البلاد تحوز احتياطيات ضخمة من الذهب «بالأطنان» جاهزة للاستخدام عند الضرورة، مبيناً أن عقوداً من الخبرة المتراكمة في الالتفاف على العقوبات منحت طهران معرفة دقيقة بكيفية الحفاظ على تدفق الواردات.

وعلى الصعيد الغذائي، كشف إيشان باهنو، كبير محللي السلع الزراعية في مؤسسة «كبلر»، أن إيران تعد تاريخياً أكبر مستورد للغذاء في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه أقل دولها معاناة من انعدام الأمن الغذائي، مشيراً إلى أن تزامن الأزمة مع موسم حصاد محلي وفير قلل بشكل حاسم من الحاجة لاستيراد القمح وجنب البلاد إنفاق كتل ضخمة من العملات الأجنبية. وتأكيداً لخطأ الحسابات الأمريكية، أوضح باهنو أن الحصار اقتصر على موانئ الخليج مع بقاء ميناء «تشابهار» الاستراتيجي على بحر العرب مفتوحاً ومتحرراً من القيود.

وفي موازاة ذلك، أفاد مسؤولون في تركيا والعراق وباكستان لـ»رويترز» باستقرار حركة التجارة عبر الحدود البرية، بينما أظهرت بيانات وزارة الزراعة الروسية تضاعف حركة الشحن عبر بحر قزوين، حيث ضخت موسكو ما يزيد على 500 ألف طن من الذرة و180 ألف طن من الشعير عبر هذا الشريان المائي الداخلي البعيد عن الهيمنة الأمريكية. وكان رئيس لجنة الزراعة في البرلمان الإيراني، محمد جواد عسكري، قد أعلن رسمياً أن طهران، وتحسباً للتهديدات الأمريكية، بادرت مبكراً إلى رفع مستويات التخزين الاستراتيجي للسلع الضرورية بما يكفي لستة أشهر كاملة، وهو ما عززه البنك المركزي بحزمة دعم مالي تضمنت إعفاء القروض الصغيرة ورفع حدود السحب لطمأنة الجبهة الداخلية وتثبيت أركانها.

جغرافية الردع وحرب الاستنزاف

أدى انهيار مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران إلى كشف عجز القوة العسكرية الكلاسيكية للغرب أمام معادلات الردع الجديدة التي فرضها محور المقاومة، ليتحول الجمود الراهن منذ بدء وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل إلى معركة استنزاف طويلة الأجل تقوم على رفع كلفة الوجود الأمريكي. وفي هذا السياق، أكدت التحليلات السياسية الصادرة عن صحف «فايننشال تايمز» و»التلغراف» و»الغارديان» وموقع «أكسيوس» أن هذا الانهيار لم يكن مفاجئاً بل نتاج أزمة ثقة مزمنة، غير أن التداعيات كشفت عشوائية القرار الأمريكي؛ إذ أشارت الكاتبة كيم غطاس في «فايننشال تايمز» إلى أن واشنطن دخلت هذه الأزمة بدون رؤية استراتيجية واضحة، متخبطة في سلسلة من القرارات المتناقضة التي أربكت حلفاءها قبل خصومها. وأضافت غطاس أن ثقة إيران بجهوزيتها دفعتها لتوسيع هامش المخاطرة وفرض سيادة عملية على مضيق هرمز، مما وضع إدارة ترامب أمام خيارات أحلاها مر.

ووفقاً لتقرير صحيفة «التلغراف»، تقف الإدارة الأمريكية عاجزة بين ثلاثة خيارات: حرب شاملة، أو ضربات محدودة مع عقوبات، أو العودة للتفاوض. ونقلت الصحيفة عن خبراء تأكيدهم أن خيار الحرب الشاملة مستبعد تماماً لما ينطوي عليه من خطر تدمير القواعد الأمريكية في المنطقة وإغراق أسواق الطاقة العالمية في فوضى غير مسبوقة، فضلاً عن رفض الرأي العام الأمريكي لأي مغامرة عسكرية جديدة. ويوضح ويليام ويشلر من «المجلس الأطلسي» هذا المأزق بالإشارة إلى أن صناع القرار في واشنطن يفاضلون الآن بين نتائج سيئة وأخرى أكثر سوءاً، ولذلك يفضلون صراعاً منخفض الحدة تجنباً للانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة.

وفي المقابل، نقل الكاتب أختر مكوي في «التلغراف» القناعة الراسخة لدى القيادة الإيرانية بأن الجغرافيا هي السلاح الأكثر تأثيراً لردع المعتدين، مبيناً أن الاستراتيجية الجديدة تقوم على أربع ركائز أساسية أولها: تعطيل صادرات النفط عبر مضيق هرمز واستهداف سفن الأعداء وزراعة الألغام البحرية. وتكمن الثانية في تفعيل جبهة إسناد متزامنة في مضيق باب المندب عبر القوات المسلحة اليمنية لفرض خناق مزدوج على أهم ممرات التجارة العالمية. فيما تقوم الركيزة الثالثة على استنزاف القوات الأمريكية بهجمات غير متكافئة لرفع الكلفة البشرية والسياسية لوجودها على غرار التجربة العراقية، أما الرابعة فتعتمد على سياسة «الغموض الاستراتيجي» لإبقاء العدو في حالة ارتباك دائم.

هذا التفوق الجغرافي عززته إيران بإعادة بناء منظومات دفاعها الجوي وتوزيع مخازن أسلحتها ومسيّراتها لتقليل فاعلية أي اعتداء. ويلخص الكاتب سينا توسي في «الغارديان» المشهد بالقول إن السيطرة على مضيق هرمز غدت القضية المركزية لأنها الضمانة الوجودية لطهران في مواجهة الغطرسة الأمريكية، مستغلة الهشاشة الشديدة التي تعاني منها أسواق الطاقة العالمية. وفي ظل هذا التراجع، يبرز تقرير موقع «أكسيوس» التناقض المفضوح في سلوك ترامب، الذي يكتفي بنشر مشاهد الضربات العسكرية على منصاته الاجتماعية كاستعراض أجوف للقوة، بينما يبحث في الكواليس عن مخرج سياسي لحرب تفتقر للتأييد الداخلي.

التبعية الخليجية وهشاشة الهيمنة

يكشف استثمار طهران الذكي للورقة الجيوسياسية لمضيق هرمز عن حقائق استراتيجية عميقة طالما جرى تغييبها، وفي مقدمتها النمط المستمر لهدر الإمكانات المالية والنفطية الهائلة لدول مجلس التعاون الخليجي التي ارتهنت للمظلة الأمنية الأمريكية تحت وهم «شراء الحماية»، بدلاً من توظيف هذه المقدرات لردع العدوان الصهيوني المتكرر.

وتوضح البيانات أن هذه الدول تحوز مجتمعة ثلث الاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط وخمس احتياطيات الغاز الطبيعي، وتسيطر على ممرات حيوية كقناة السويس وباب المندب، فضلاً عن امتلاكها استثمارات مالية ضخمة في السندات الأمريكية بلغت نحو 1.19 تريليون دولار بحلول عام 2025.

غير أن النخب الخليجية، وبدلاً من استخدام هذه الترسانة المالية والنفطية كأداة ضغط سياسي لزعزعة أسواق المال الغربية وكبح الجنون الصهيوني، اندفعت نحو تعميق التبعية عبر صفقات تسليح تجاوزت قيمتها 120 مليار دولار سنوياً ذهبت مباشرة لتغذية المجمع الصناعي العسكري الأمريكي (شركات لوكهيد مارتن، ريثيون، وبوينغ).

وقد توج هذا الارتهان باتفاقيات التطبيع («اتفاقيات أبراهام» عامي 2020 و2021) طمعاً في الحصول على مقاتلات «إف-35»، وهو ما عزل هذه الأنظمة عن عمقها الشعبي وجعلها شريكة ضمنية في تمكين المشروع الصهيوني. ولم تؤدِّ هذه المليارات المهدورة إلا إلى تثبيت صيغة «التابع والمتبوع»، حيث تصرفت واشنطن كأداة هجومية لمصالحها الخاصة منفذة أكثر من 251 تدخلاً عسكرياً عالمياً بين عامي 1991 و2022، بينما وقفت أسلحة الأنظمة الخليجية مشلولة وعاجزة عن توفير الحماية لبلدانها، وتحولت القواعد الأمريكية على أراضيها إلى نقاط ضعف جعلتها بمثابة «رهائن» في الصراع الإقليمي.

ولم تقف ارتدادات هذه المواجهة عند الحدود السياسية، بل كشفت أزمة عام 2026 عن عيوب هيكلية قاتلة في بنية النظام الاقتصادي العالمي وعجز أدواته المالية التقليدية عن حماية نفسها؛ فمع تراجع الصادرات النفطية المارة عبر مضيق هرمز من 20 مليون برميل يومياً إلى أقل من مليوني برميل، تعرضت الأسواق المالية في لندن ونيويورك- التي تغتذي على تدفقات البترودولار لخفض تكاليف الاقتراض الأمريكي- لصدمات عنيفة أدت إلى تبخر مئات المليارات من قيمتها السوقية، واضطرت الصناديق السيادية لتسييل أجزاء واسعة من أصولها الدولارية لتغطية كلف الدفاع الطارئ والعجز الناتجة عن توقف التصدير، مما أثبت هشاشة النظام المالي الغربي أمام توازنات القوة الصلبة على الأرض.

شلل مجلس الأمن وانكشاف المعايير المزدوجة

أثبت الفشل العملياتي لما سمي تحالف «حارس الازدهار» الأمريكي في البحر الأحمر الانحسار التاريخي للقدرة الأمريكية على فرض الإخضاع؛ إذ وقفت المدمرات والناقلات الأمريكية العملاقة عاجزة أمام تكتيكات الحرب اللا متناظرة والمسيّرات الرخيصة الكلفة، مما أجبر السفن على التحول نحو رأس الرجاء الصالح، متسبباً في زيادة كلف الشحن بنسبة 400 % وإضافة 10 إلى 15 يوماً لزمن الرحلات، وهي ضغوط تضخمية عالمية عجزت واشنطن عن احتوائها.

وفي المقابل، نجح محور المقاومة في فرض قواعد اشتباك جديدة تجاوزت الحدود الجغرافية السياسية المصطنعة التي خلفها الاستعمار لتقسيم الأمة وإضعافها عبر جغرافيا دفاعية وهجومية موحدة تسقط إرث «سايكس-بيكو». وتجسد هذا التحول الجيو-اقتصادي عملياً في تطبيق ما يمكن تسميته «تعرفة طهران» بقيمة دولار واحد لكل برميل نفط يمر عبر هرمز، مع فرض الدفع باليوان الصيني أو العملات المستقرة أو الريال الإيراني، مما انتزع من يد الغرب سلاح العقوبات النقدية.

وبالتوازي مع هذا الانكسار الأمريكي، عكست الأزمة انهياراً كاملاً لشرعية ومصداقية منظومة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، التي تحولت إلى منصات للمواجهات الدبلوماسية العقيمة بدلاً من إنفاذ السلم والأمن. وتوضح البيانات الإحصائية الدقيقة لعام 2025 هذا الشلل المؤسساتي؛ إذ انخفض العدد الإجمالي للقرارات الصادرة عن مجلس الأمن من 57 قراراً في عام 2021 إلى 44 قراراً فقط في عام 2025، وهو المعدل الأدنى منذ نهاية الحرب الباردة عام 1991. وتصاعد في الوقت ذاته استخدام حق النقض «الفيتو» من قبل الدول دائمة العضوية لإحباط الإجراءات الإنسانية والقانونية، حيث شهد عام 2024 وحده استخدام الفيتو لإجهاض 7 مشاريع قرارات جوهرية (المعدل الأعلى منذ عام 1986). تزامناً مع تراجع نسبة القرارات المعتمدة بالإجماع من متوسط 84 % خلال العقد الماضي إلى 61.4 % بحلول عام 2025، وارتفاع الجلسات الإجرائية المعطلة نتيجة التسييس اليومي.

إن التفلت الأمريكي والصهيوني المطلق من القوانين الدولية في حرب الإبادة ضد غزة ولبنان، مقارنة بالاستنفار الغربي لعزل موسكو دفاعاً عن أوكرانيا، كشف بشكل قاطع «المعايير المزدوجة» الفجة للنظام الدولي المفخخ بالخلل البنيوي والفكري، وأفقد المنظومة الغربية ما تبقى لها من قيم أخلاقية وقانونية في عيون شعوب ودول الجنوب العالمي، فاتحاً الباب على مصراعيه لبلورة ترتيبات أمنية واقتصادية إقليمية جديدة تصوغها القوى المستقلة المقاومة رغماً عن الإرادة الأمريكية الآفلة.

قد يعجبك ايضا