الثورة نت/..
تتواصل تداعيات بطولة كأس العالم 2026 مع تصاعد موجة الانتقادات والاتهامات التي طالت الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والولايات المتحدة، الدولة المضيفة للبطولة، وذلك على خلفية قرارات تحكيمية وإدارية أثارت جدلاً واسعاً، وفتحت الباب أمام مطالبات بإجراء تحقيقات مستقلة.
وفي ظلّ تزايد الأصوات المندّدة بما وُصف بـ”الانحياز المُمنهج” لبعض المنتخبات، برزت تساؤلات جدية حول مدى نزاهة المنافسة واستقلالية القرارات التحكيمية، خاصة في المباريات التي شهدت أخطاء فادحة أثّرت على نتائجها، ما دفع منتخبات إلى رفع شكاوى رسمية.
ويُحذّر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يُلحق ضرراً جسيماً بسمعة البطولة الأكبر عالمياً، ويُعيد إلى الأذهان فضائح الفساد التي عصفت بـ”فيفا” في السنوات الماضية.
لقد تحوّلت البطولة من حدث رياضي عالمي إلى ساحة جدل سياسي وقانوني متصاعد، في وقت تضاعفت فيه الانتقادات باتجاهات عدة، منها الارتفاع القياسي في أسعار التذاكر، وهو ما ألقى بظلاله على نزاهة المنافسات وأثار موجة واسعة من الجدل الدولي.
ترامب والتأثير على قرارات البطولة
وفي أحدث المواقف، اتهم الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الحكومة الأمريكية بانتهاج سياسة “الغش والالتفاف على القواعد” خلال استضافتها للبطولة، معتبراً أن سلوكها يعكس نهجها السياسي القائم على الترهيب وافتعال العقبات أمام المنافسين. وأكد في تدوينة عبر منصة “إكس” أن إيران ترفض هذه الممارسات وستواصل الدفاع عن حقوقها.
وفي السياق ذاته، طالب عدد من أعضاء البرلمان الأوروبي بفتح تحقيق في دور رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو، على خلفية قرار تعليق عقوبة الإيقاف بحق مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون، بضغوط مارستها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وبحسب رسالة متداولة داخل البرلمان الأوروبي، دعا النواب الاتحادات الكروية في الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى مطالبة “فيفا” رسميًا بالتحقيق في آلية اتخاذ القرار الذي ألغى عقوبة الإيقاف، والسؤال عما إذا كانت الضغوط السياسية قد أثرت في مسار القضية، بحسب شبكة “يورونيوز”.
وجاءت المبادرة بعد مشاركة بالوغون في مباراة الولايات المتحدة وبلجيكا ضمن دور الـ16 من كأس العالم، رغم تلقيه بطاقة حمراء في المباراة السابقة أمام البوسنة والهرسك، وهي عقوبة تستوجب الإيقاف التلقائي لمباراة واحدة، قبل أن يقرر “فيفا” تعليق تنفيذها.
وكان ترامب قد أقر في وقت سابق بأنه أجرى اتصالًا بإنفانتينو بشأن البطاقة الحمراء التي حصل عليها بالوغون، واصفًا القرار بأنه “غير عادل”، لكنه قال إنه لم يطلب من رئيس “فيفا” اتخاذ أي إجراء.
وعقب القرار، شكر ترامب إنفانتينو على ما وصفه بـ”تصحيح ظلم كبير”، بينما أكد رئيس “فيفا” أنه أبلغ الرئيس الأمريكي خلال الاتصال بأن لجنة الانضباط في الاتحاد الدولي هيئة مستقلة.
وأثار القرار انتقادات واسعة في أوروبا، إذ وصفه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) بأنه “غير مسبوق وغير مفهوم ولا يمكن تبريره”، فيما تقدم الاتحاد البلجيكي لكرة القدم باعتراض رسمي على أهلية مشاركة بالوغون في المباراة.
كما اعتبر المفوض الأوروبي المسؤول عن ملف الرياضة، غلين ميكاليف، أن إلغاء العقوبة كان “قرارًا خاطئًا”، بينما وصف المدير السابق للإعلام والشؤون العامة في “يويفا”، ويليام غايار، ما حدث بأنه “فضيحة” ويمثل مخالفة لقواعد ولوائح “فيفا”.
وتقود المبادرة مجموعة من أعضاء البرلمان الأوروبي، بينهم باري أندروز ولارا فولترز ونيلس فوغلسانغ، حيث يجري حاليًا جمع التوقيعات تمهيدًا لتوجيه الرسالة رسميًا إلى الاتحادات الكروية الأوروبية.
وطالب النواب الموقعون بأن تتم مساءلة كبار مسؤولي “فيفا” إذا ثبت وجود أدلة على انتهاكهم قواعد الحياد السياسي، كما ذكّروا برسالة سابقة وقعها 50 نائبًا أوروبيًا طالبوا فيها بالتحقيق في منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “جائزة فيفا للسلام”.
شكوى مصرية ضد التحكيم
وعلى الصعيد التحكيمي، تقدم الاتحاد المصري لكرة القدم بشكوى رسمية إلى “فيفا” ضد الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسيه وطاقمه، احتجاجاً على قرارات مباراة مصر والأرجنتين في ثمن النهائي، والتي انتهت بفوز الأرجنتين (3-2) بعد عودة مثيرة في النتيجة.
وأكد رئيس الاتحاد المصري، هاني أبو ريدة، أن الشكوى تضمنت المطالبة بفتح تحقيق واستبعاد طاقم التحكيم من إدارة بقية مباريات البطولة، مشيراً إلى أن قرارات الحكم أثرت بصورة مباشرة على نتيجة اللقاء، وفي مقدمتها إلغاء هدف مصري وعدم احتساب ركلة جزاء في الدقائق الأخيرة.
من جانبه، أعرب المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن عن استيائه مما وصفه بـ”الظلم التحكيمي”، ملمحاً إلى وجود رغبة في استمرار المنتخب الأرجنتيني في المنافسة، فيما أيد الحكم الألماني السابق باتريك إيتريش أحقية مصر في الحصول على ركلة جزاء، معتبراً أن تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) أخفقت في مراجعة اللقطة.
وحول ذلك أكد الخبير التحكيمي الفرنسي، توني شابرون اليوم الخميس، أن قرار إلغاء هدف منتخب مصر في شباك الأرجنتين، خلال مباراتهما كان قراراً خاطئاً تماماً وغير صحيح.
وانتقد شابرون بشدة القرار المشترك الذي اتخذه الثنائي الفرنسي؛ حكم الساحة “فرانسوا ليتكسييه”، وحكم تقنية الفيديو “جيروم بريسارد”، بإلغاء هدف الفراعنة، مشيراً إلى أن القرار ضرب بالمعايير التحكيمية المعتمدة من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في المونديال عرض الحائط.
وقال توني شابرون، في تصريحات أدلى بها لصحيفة “سبورت” الفرنسية: “حتى الدقيقة 60 من عمر اللقاء، كان كل شيء يسير على ما يرام، وكان أداء الحكم متسقاً وناجحاً في مباراة بلغت ذروة الصعوبة والتعقيد”.
وأضاف: “لقد تبنى ليتكسييه منذ البداية الفلسفة التي أعلن عنها الفيفا، وهي إتاحة الفرصة لاستمرار اللعب وتجنب الصافرات المتكررة، ولذلك كان هناك تقبل لبعض الالتحامات البدنية القوية، وأدار المباراة وفقاً لهذا النهج المرن”.
وتابع الخبير الفرنسي تساؤلاته مستنكراً: “هل كان ينبغي لحكم الفيديو أن يتدخل لإلغاء هدف مصر؟ الإجابة هي: لا، أبداً؛ فمنذ انطلاق البطولة شاهدت أكثر من ألف حالة مشابهة لهذه اللقطة تماماً، ولم تُحتسب أي منها كمخالفة”..مضيفا “المسؤول الأول والحقيقي عن هذه الأزمة هو جيروم بريسارد (حكم الفيديو)؛ لأنه وضع زميله ليتكسييه في موقف بالغ الحرج والصعوبة. فبمجرد استدعاء حكم الساحة للوقوف أمام شاشة الإعادة، يصبح مقيداً نفسياً ويشعر بأنه مجبر على تبرير الاستدعاء باحتساب مخالفة. ومن الناحية الموضوعية البحتة، نعم، قد يكون هناك احتكاك، ولكن في سياق معايير هذه المباراة والبطولة ككل، لم يكن ينبغي إلغاء الهدف مطلقاً”.
واوضح “لقد مرت 18 ثانية كاملة بين لحظة الاحتكاك وسقوط الكرة في الشباك، وقطعت الكرة خلال هذه المدة مسافة تزيد عن 100 متر، بل وسنحت للاعبي منتخب الأرجنتين أربع فرص كاملة على الأقل لإيقاف الهجمة واستعادة الكرة لكنهم فشلوا في ذلك، فكيف نعود للخلف بعد كل هذا؟ “.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى إدارة البطولة، وسط دعوات متصاعدة لضمان استقلالية القرارات التحكيمية والإدارية والحفاظ على نزاهة المنافسات بعيداً عن أي تأثيرات سياسية.
لجنة الاخلاقيات
ويواجه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، جياني إنفانتينو، ضغوطًا متزايدة، بعدما أعلنت منظمة “فير سكوير ” (FairSquare) المعنية بحقوق الإنسان عزمها التقدم بشكوى رسمية إلى لجنة الأخلاقيات التابعة للجنة الأولمبية الدولية، متهمة إياه بـ”انتهاكات متكررة لمبدأ الحياد السياسي”.
وقالت المنظمة، حسبما نقلت صحيفة “ليكيب” الفرنسية، أمس الأربعاء، إن الشكوى تستند إلى العلاقة الوثيقة التي تربط إنفانتينو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرة أن تصرفاته تتعارض مع الالتزامات المفروضة على أعضاء اللجنة الأولمبية الدولية، والتي تنص على ضرورة العمل باستقلالية بعيدًا عن المصالح السياسية والتجارية، وفقًا للميثاق الأولمبي.
وأشارت المنظمة إلى عدد من الوقائع التي أثارت الجدل، من بينها مشاركة إنفانتينو في اجتماع أطلق عليه “مجلس السلام” بدعوة من ترامب في فبراير الماضي، إلى جانب ظهوره مرتديًا قبعة تحمل عبارة”USA” والأرقام “45-47″، في إشارة إلى ولايتي الرئيس الأمريكي.
ارتفاع قياسي في أسعار تذاكر
ومع توجه الجماهير من مختلف أنحاء العالم إلى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لمتابعة المباريات من المدرجات، شهدت منصات إعادة البيع ارتفاعا كبيرا في أسعار تذاكر الأدوار النهائية، خصوصًا مباريات نصف النهائي والنهائي.
وتتصدر تذاكر المباراة النهائية قائمة أغلى التذاكر في مونديال 2026، حيث سيحتضن ملعب ميتلايف في إيست رذرفورد المباراة النهائية يوم 19 يوليو.
وتتراوح الأسعار الرسمية لتذاكر النهائي بين 2030 و7875 دولارا حسب الفئة، لكن الأسعار في السوق الثانوية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تتراوح بين 5900 دولار وأكثر من 38 ألف دولار للتذكرة الواحدة.
واحتلت تذاكر مباراتي نصف النهائي المرتبة الثانية من حيث الأسعار، إذ ستُقام المواجهتان في ملعب إيه تي آند تي(AT&T) في دالاس وملعب مرسيدس بنز في أتلانتا.
وتتراوح الأسعار الرسمية لهذه المباريات بين 420 و3295 دولارا، بينما قد تصل الأسعار في سوق إعادة البيع إلى نحو 9500 دولار.
أما مباريات الدور ربع النهائي، التي ستُقام في مدن مثل بوسطن ولوس أنجلوس وميامي وكانساس سيتي، فتأتي في المركز الثالث.
وتتراوح أسعارها الرسمية بين 275 و1775 دولارا، بينما تصل في بعض عمليات إعادة البيع إلى حدود 4000 دولار.
وتبقى هذه الأسعار قابلة للتغير بسبب نظام التسعير الديناميكي وتفاوت حجم الطلب، إذ ترتفع قيمة التذاكر كلما اقتربت البطولة من نهايتها ووضحت هوية المنتخبات المنافسة على اللقب.
وفي ظل اتساع دائرة الانتقادات، تواجه بطولة كأس العالم 2026 تحديات غير مسبوقة تتعلق بمصداقية إدارة المنافسات واستقلالية قرارات الاتحاد الدولي لكرة القدم، وسط تصاعد المطالب بإجراء تحقيقات شفافة في الاتهامات المتعلقة بالتدخلات السياسية والتحكيمية. وبينما تتواصل المنافسات على أرض الملعب، يبقى الجدل الدائر خارج المستطيل الأخضر أحد أبرز عناوين النسخة الحالية من المونديال، مع ترقب لما ستسفر عنه التحقيقات وردود “فيفا” على الاتهامات المتزايدة.
