عنوان مقال اليوم مأخوذ من المَثَل الشَّعبي اليمني القائل :”ما يِعيِيْك إلَّا حمار الرُّبُع والثُّمُن”، وهذا المَثَل تعبير استعاري يُطلَق على الشخص المعتوه الذي لا يَرَى مِنْ صَوابٍ سِوى كلامِه، ولا مِنْ مَوقِفٍ سِوى مَوقِفِه، ولا من دَورٍ سِوى دَورِه، ويغرق في تضخيم ذاته المحدودة الأَثَر والتأثير، فَتَجِدُ صعوبةً بالغة في التعامل معه، ودائمًا ما يفتقِر للمَنطِق السَّوِي، والفكر السليم، يتعبك ويتعب مَنْ حَولَه، وفوق كل ذلك ما يزال يَرَى نَفسَهُ الأرجح عقلًا، والأغزر فكرًا وثقافةً وسياسةً، حاله كحال ذلكم الحمار الضعيف الهزيل حَجمًا، الرخيص قِيمةً (حمار الرُّبع والثُّمن)، فلا هو الذي تحصُل الاستفادة مِنه في العمل، ولا هو الذي أراحك من أعباء أكله وشربه ومخلّفاته العفنة، ونَهيقِه المزعج.
وهذا هو حال المرتزقة اليمنيين الذين يسمّون أنفسهم بالشرعية، في تعاطيهم مع ملف الأزمة اليمنية الناجمة عن العدوان السعودي الإماراتي الأمريكي الإسرائيلي على بلادنا، العدوان الذي جاء بقرارٍ أمريكي وتنفيذٍ سعودي إماراتي وتواطؤٍ عربي ودولي، وبشَرعَنَة من قِبَلهم بوصفهم في نظر المجتمع الدولي الشرعية اليمنية، إذ وفّروا الغطاء لقوى العدوان لتنفيذ جرائم الإبادة الجماعية بحق أبناء شعبهم، وتدمير مقدراتهم ونهب ثرواتهم، وانتهاك سيادة وطنهم، ووقفوا إلى صف قوى العدوان في مواجهة أبناء شعبهم، ولم يدّخروا أي جهد أو وقت من أجل التحريض والتأليب والتشجيع على المضي والاستمرار في العدوان الغاشم والحصار الجائر الذي انقضى النصف الأول من عامه الحادي عشر، غير مكترثين بالتداعيات الكارثية المترتّبة على ذلك وانعكاساتها الخطيرة على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية على أكثر من ثلاثين مليون يمني.
وعلى الرغم من سقوطهم المهين، وتفاهتهم المبتذلة، ورُخصهم الحقير، الذي لم يَعُد خافيًا على أحد، بما في ذلك أسيادهم (آل سعود وآل نهيان) الذين ينظرون إليهم نظرةً دونيّة مشبعة بالازدراء والاحتقار، ويتعاملون معهم بوصفهم أدوات رخيصة لا قرار لهم ولا إرادة، إلّا أنهم يصرّون على اقتفاء أثر (حمار الرُّبع والثُّمن) وتجسيد شخصيّته على أرض الواقع من خلال مواقفهم وتصريحاتهم المخجلة والمهينة، التي بات الخَجَل يَخجَلُ منها، والتي لا يمكن لذي عقلٍ سليم أن يُصَدِّق أنها صادرة عن آدميّين على الإطلاق.
يتشدّقون باسم السيادة وهم من حوّلوا المحافظات اليمنية الجنوبية والشرقية إلى مُستَعمَرات مُحتَلَّة من قِبَل السعودي والإماراتي، وأطلقوا لهما العنان لاحتلال الجزر والسيطرة على الموانئ، والهيمنة على الثروات النفطية والمعدنية، وفتحوا الباب على مصراعيه للسعودي والإماراتي والأمريكي والإسرائيلي، لتنفيذ أجندتهم ومخططاتهم الشيطانية ومشاريعهم التدميرية التي تمثّل تهديدًا خطيرًا للوحدة اليمنية، وللدولة اليمنية، وللسيادة اليمنية التي باعوها في سوق النّخاسَة بأرخص الأثمان، من أجل الحفاظ على سلطة صورية ديكورية لا تقدِّم ولا تؤخِّر، قرارها ومصيرها بيد السفير السعودي والحاكم بأمره الإماراتي.
(حَمِير الرُّبع والثُّمن) قامت قيامتهم، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، عَقِبَ قيام جمهورية إيران الإسلامية بكَسر الحظر الجوي المفروض على مطار صنعاء، بعد هبوط طائرة الخطوط الجوية الإيرانية وعلى متنها عدد من المرضى اليمنيين العالقين في الخارج، وأقلَّت بعض المرضى مع الوفد اليمني الذي شارك في مراسيم تشييع سماحة القائد العظيم الشهيد علي الخامنئي رضوان الله عليه، وعلى الفور عَقَد مجلس (الحَمِير) اجتماعًا طارئًا عَبر تقنية الزوم لتدارُس هذا الحدث الجَلَل، وأصدروا (بَيانَهُم المرعب، الحارق، الخارق) الذي خلصوا فيه إلى أن هبوط الطائرة المدنية الإيرانية التي كسرت الحظر على مطار صنعاء انتهاك للسيادة، واستباحة للأجواء اليمنية، وتهديد لمسار التسوية السلمية حَدَّ وَصفِهم، ولا أعلم عن أي سيادة وأجواء يتحدّثون؟!! ولا عن أي تسوية سلميّة يَهرِفون؟!! وسماء اليمن في المحافظات المحتلة مُنتَهكَة مُستَباحَة، وفضاء مفتوح للنزهة أمام طائرات الأعداء؟!!
ولو سلَّمنا جَدَلًا بأن أولئك الأوغاد فِعلًا (حريصون على السيادة) ومنزعجون جدًّا من استباحة الأجواء اليمنية، تُرَى لماذا لم يُشِر بَيانُهم إلى الطائرات الحربيّة السعودية التي حاولت مَنعَ الطائرة الإيرانية من الهبوط في مطار صنعاء، على اعتبار أنّها هي الأخرى انتهكت السيادة، واخترقت الأجواء اليمنية ذاتها التي قالوا إنَّ الطائرة المدنيّة الإيرانية اخترقتها؟! هل باتت لديهم معايير للسيادة أم ماذا؟!!
شخصيًّا لم أَعُد أفهم كيفيّة التعامل مع هؤلاء الهَمَج الرّعاع، تركناهم للزمن لعل وعسى أن يحدث تغييرًا في عقولهم وتفكيرهم ومنطقهم، ولكن للأسف يزدادون مع مرور الأيام غباءً وتَبَلُّدُا، وجرأةً ووقاحةً وقِلّةَ حَياء، يُحرِجون أنفُسَهم بأنفسِهم، ويضعونها في مواقف مخزية ومذلّة ومهينة، حتى أسيادهم يعافونها وينتابهم الخجل منها، في إصرارٍ منهم على عدم مغادرة زَريبة (حمار الربع والثمن) الذي أتعبنا وأتعب كل اليمنيين، وأتعب كل مَنْ حوله، مُصِرِّين على المضي في المسار (البهائمي) الذي بلغوا فيه مَدَيات متقدِّمة، تفوَّقوا في كثيرٍ منها على (حمار الربع والثمن) ورِفاقه.
والعاقبة للمتقين.
