سقوط مشروع الاحتواء

وديع العبسي

بعد قرابة (12) عاما من الاستنزاف والفشل الذريع، ترمي السعودية بكل ثقلها لاستعادة الإمساك بخيوط مشروع تأبيد الحصار وفرض الوصاية على اليمن، المشروع الذي انفلتت خيوطه من بين يديها.
أحالت المواجهة خلال السنوات الماضية، طموحات الرياض إلى أطلال، وصار مانشيت السيطرة الميدانية للقوات المسلحة اليمنية يعصف بسمعة منظومة الشر التي تحالفت من أجل بناء السياج حول اليمنيين لمنعهم من أي تطلع حتى للحياة من خير بلدهم.
وبدلاً من أن يكون مسار العدوان والحصار نزهة سريعة كما تمنت أبواقهم، تحول إلى مسار استنزاف للهيبة والمال والجهد، وأثبت أن هذا الشعب لا يُكسر.
أصرّ أعداء الإنسانية على تمرير مخططهم، فيما أصرّ الشعب اليمني على كسر الطوق والعزلة عن ركب التقدم والتطور والتحديث. ولبلوغ الأعداء أهدافهم ظلوا بذات المنطق الاستكباري المتغطرس، معتمدين على آلة القتل الشيطانية، ومبدأ الإعدامات الجماعية للمدنيين سواء بالنار أو بالحصار. استهدفوا المدارس والمستشفيات والأسواق، وكل وسائل الحياة، لأنهم أدركوا أن كسر إرادة شعب لا يكون إلا باستهداف حياته اليومية.
في المقابل، اعتمد اليمن بما حباه الله من حكمة وقيم وأخلاق على معادلة الردع. إما باستهداف الأهداف الحساسة في عمق العدو، أو فرض الحصار على شريان حيوي. والغرض: ممارسة الضغط لإجبار العدو على كف أذاه عن هذا البلد وشعبه. وهنا تكمن المفارقة؛ من كان يفرض الحصار وجد نفسه محاصراً بمعادلات جديدة لا يملك كسرها.
التحوُّل وفق هذا يشير إلى أن علاقة السعودية باليمن قد دخلت حقبة جديدة من الندّية، تنهي عقودا من تعطيل الدولة والإبقاء عليها مجرد جغرافيا يعيش عليها مجموعة من البشر بما تجود به اليد السعودية. ليس من المال فقط، بل وبما تسمح به هي من استفادة اليمنيين من مقدراتهم. عقود كان فيها القرار اليمني يُكتب في الرياض، واليوم القرار يُكتب في صنعاء.
السعودية ببساطة، لا تريد أن تكون دولة قوية متحررة من هيمنة القوى الكبرى، وهذا قرارها. لكنها في المقابل لا تريد أيضا لليمن أن يكون بلداً له تطلعات الاستقلال والقوة والتحرر. لذلك شنّت حملتها ولا زالت من أجل مصادرة قرار هذا البلد وإبقائه في وضع الارتهان.
قبل قرابة الـ(12) عاماً، حدد العدوان السعودي الأمريكي هدفه بأن يكون هناك يمن بلا سيادة، يعيش تحت مظلة الرعاة، لا ينهض، ولا يمتلك أي أدوات قوة.. يمن ضعيف مرتهن لما يأتيه من الخارج من طحين وسكر وملح. يمن ضعيف بالنسبة للرياض يعني حدوداً آمنة، وأي تجربة يمنية مستقلة يجب وأدها.
أكد ذلك وزير خارجية الرياض فيصل بن فرحان في ميونخ 2023 بالقول: «لا يمكن أن يكون هناك حل في اليمن دون أن نكون جزءاً منه». أي لا قرار بدوننا. وبهذا المنظور تتعامل الرياض مع اليمن باعتباره في سياستها «ملف أمن قومي» لا «دولة ذات سيادة».
مع ذلك، فإن هذه النوايا اصطدمت بمعطيات الواقع، وشهدت الكثير من النكسات خلال سنوات العدوان والحصار، الأمر الذي فرض على الخطاب السعودي التلوُّن غير مرة والجنوح إلى تناول المُسكِّنات.
وبعد أن قال المتحدث باسم «التحالف» في مارس 2015: إن «العملية ستستمر حتى تحقيق أهدافها»، قال ولي العهد محمد بن سلمان في سبتمبر 2023 في مقابلة مع «فوكس نيوز» «نحن نعمل على التوصل إلى اتفاق سلام في اليمن». لم يعد الحديث متشنجاً عن انتصار.
وهذا التراجع في الخطاب لم يأت من فراغ. وإنما هو اعتراف ضمني بأن مشروع كسر اليمن عسكريا قد فشل، وأن اليمن لم يعد «ملفاً» تُديره الرياض، وإنما «قراراً» يفرض نفسه على الجميع.

قد يعجبك ايضا