مجلس قبض الثمن

د. عبدالرحمن المختار

ظهر العميل العليمي مدعي الشرعية قبل يومين منتفخا، زاعما تهيئة كل الإمكانيات لما أسماه استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، كل ذلك وهو يقبع في حضن أوضح وأجلى انقلاب، لمشغله بن سلمان.
العميل العليمي أخذته نشوة المكان وهليمان سلطان بن سلمان، فسرد واسترسل في السرد، زاعما أن شرعية اليوم غير شرعية الأمس، فشرعية الأمس لم تكن تحظى بدعم كامل من التحالف ومن المجتمع الدولي، أما شرعية اليوم فالجميع في صفها.
واستطرد في حديثه متباهيا بما أنجزه في لقائه مع السفراء، وطلبه إياهم بالحشد الدولي إلى جانب شرعيته المزعومة، وزعم أنه لمس منهم تجاوباً غير مسبوق واستعداداً لا محدود للدعم والإسناد.
ويبدو أن العميل العليمي وبسبب نشوته نسي أن التحالف الذي تحدث عنه قد تفكك وانهار وتلاشى وتبخر وذهب أدراج الرياح.
لكن الأمر المهم واللافت الذي طغى فوق كل الترهات الطاووسية للعميل العليمي، هو  ذلك الجانب من حديثه حول بيان مجلس الأمن الذي أصدره المجلس يوم السابع من أغسطس الجاري.
والواضح أن زبانية بن سلمان قد همسوا في أذني العميل العليمي بما واجهته المملكة من صعوبات وتكلفة باهظة، حتى تمكنت من إصدار بيان مجلس الأمن بتلك الصيغة التي تم إعلانه بها.
لكن يبدو أن نشوة العميل العليمي قد أخذته بعيدا، ولم يدرك أن ما همس به الزبانية في أذنيه خاص وغير قابل للنشر، فتعاطى فنشر، وهنا كانت الفضيحة المدوية لنظام آل سعود ولمجلس الأمن الدولي، بوصفه مؤسسة دولية ولأعضاء المجلس الخمسة ذوي العضوية الدائمة، والعشرة ذوي العضوية المؤقتة.
ونتوقع أن يتعرض العميل العليمي إلى توبيخ شديد من مشغله بن سلمان، وقد يصل حد العقوبة، إذا ما تصاعد التفاعل، وأثير النقاش حول فضيحة المملكة في رشوة مجلس الأمن، وعن مدى تحول مجلس الأمن من مجلس مهمته الأساسية “حماية الأمن والسلم الدولي” الى مجرد مجلس لقبض الثمن.
فكيف فجر العميل العليمي فضيحة مشغله بن سلمان، وفضيحة مجلس الأمن؟
في ذروة تباهيه وطاووسيته الكاذبة أمام الصحفيين، وفي معرض مديحه لموقف المملكة، وما حققه مشغله بن سلمان من إنجاز كبير، رفع العميل من نبرة صوته ومن حدة نظراته، فانتظر الحضور من الصحفيين المبرمجين منه الإفصاح عن أمر جلل، فخاطبهم قائلا (( لا تعتقدوا أن بيان مجلس الأمن صدر بسهولة، لقد بذلت المملكة جهودا  كبيرة، ووضعت كل ثقلها لإصدار البيان)!
وبكل تأكيد فإن العميل العليمي بهذا الإفصاح قد فضح السعودية بقوله ألقت المملكة بكل ثقلها من أجل إصدار البيان، وثقل مملكة آل سعود كما هو معلوم مالي، لا ثقل لها غيره، لا سياسي ولا تاريخي، ولا إنساني ولا حضاري ولا قيمي ولا أخلاقي.
وفي ذات الوقت فضح العميل العليمي مجلس الأمن كمؤسسة دولية معنية بحفظ السلم والأمن الدوليين، وفضح جميع أعضائه الخمسة عشر بأنهم لا إرادة لهم، ولا قيم تحكم أداءهم، وأن المال السعودي فقط هو الذي يوجه قرارات مجلسهم وبياناته، ومن ثم فالنتيجة المنطقية هي أن من بيده المال بيده الإرادة، فالمال بيد السعودي، وإرادة أعضاء المجلس بيده أيضا، يوجهها بالوجهة التي يريد.
فيا لها من فضيحة أممية مدوية، وغير مسبوقة في تاريخ المنظمة الدولية ومجلس امنها…
وهنا وعندما نثير هذا الموضوع الآن فإننا لا نتجنى على المجلس أو أي من أعضائه، نحن فقط نسرد وقائع ذكرها العميل العليمي في مؤتمره الصحفي الموثق بالصوت والصورة ومتاح الاطلاع على تفاصيله وما تضمنه من وقائع في مواقع القنوات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، والعهدة في نهاية المطاف على العميل العليمي ومشغله بن سلمان !
ومعرفة مضمون ودلالات الفقرة السابقة الواردة في المؤتمر الصحفي للعميل العليمي، ليست حقا للشعب اليمني فحسب، بل حق لجميع شعوب المعمورة، التي لا بد أن تدرك كيف أصبحت قرارات وبيانات مجلس الأمن وأداؤه مرتهنا للثقل المالي للمال السعودي!
وكيف انسلخ أعضاء هذا المجلس الدائمين وغير الدائمين من كل الواجبات القانونية الملقات على عاتقهم، ومن جميع القيم الإنسانية والأخلاقية، بخضوعهم المهين والمذل لتأثيرات المال السعودي، المعبَّر عنه في كلام العميل العليمي (بثقل المملكة).
ومعلوم أن نظام آل سعود ليس له أي ثقل سياسي، فهو يتعرض للإهانة بشكل مستمر، ولعل الجميع يتذكر  وصف ترامب له بالبقرة الحلوب، وعبارة أنه لا يملك شيئا سوى المال،  وتمنن ترامب على بن سلمان وحقه عليه في تقبيل مؤخرته!
وليس لنظام آل سعود أي ثقل قيمي أو أخلاقي أو إنساني أو حضاري أو تاريخي، وليس له إلا الثقل المالي، الذي استخدمه في إفراغ مجلس الأمن وأعضائه الدائمين وغير الدائمين من الواجبات القانونية والقيم الأخلاقية والإنسانية.
وإذا لم يكن معنى استخدام المملكة لكل ثقلها لإصدار بيان مجلس الأمن بتلك الصيغة التي صدر بها، ينصرف إلى الثقل المالي الذي تمكنت به من التأثير على أعضاء مجلس الأمن، فماذا يعني ذلك؟ وما الذي تملكه المملكة غير الثقل المالي الذي أثقلت به كاهل أعضاء المجلس؟
وإذا لم يكن النظام السعودي باستخدامه لثقل المملكة المالي لإصدار بيان المجلس، قد أثر على أعضائه وسلبهم حرية التعبير عن إرادتهم تجاه مشروع البيان، لتنصرف تلك الإرادة إلى الثقل المالي للمملكة، ولتتجه من ثم تلك الإرادة بالاتجاه الذي يحدده ذلك الثقل.
وإذا لم يكن المعنى كذلك فماذا يمكن أن يكون معنى ثقل المملكة الذي صدر البيان بصيغته تلك تحت تأثيره؟
ولأن مجلس الأمن ليس مجلس إدارة لشركة تتبع الإدارة الأمريكية، أو إحدى الدول الأخرى الدائمة العضوية، بل هو الجهاز التنفيذي للمنظمة الدولية، وهو نائب عن مجموع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، لتنفيذ الإرادة الدولية، فإن الفضيحة المدوية التي لحقت بالمجلس كأثر لإصدار بيانه تحت تأثير المال السعودي، تشمل مع الأسف الشديد جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، طالما أنها تلتزم الصمت في مواجهة تصرفات نائبها المهينة لها ولشعوبها!
ولمجلس الأمن حق الرد وحق التوضيح ليس للشعب اليمني، بل لكافة الشعوب الأخرى عن كيفية تأثير ثقل المملكة في إصدار بيانه بتلك الصيغة، وماهية ذلك الثقل؟ وهل هو سياسي أم إنساني أم أخلاقي أم حضاري؟ أم أي نوع من الأثقال هو ذلك الثقل الذي تنوء بحمله ذمم أعضاء مجلس الأمم؟

قد يعجبك ايضا