كربلاء العصر.. سقوط الأقنعة وتزييف مآسي الشعب اليمني

شاهر أحمد عمير

من قلب المعاناة التي يسطرها الشعب اليمني بصموده الأسطوري، تتجلى المواقف وتتمايز الصفوف، وتكشف سنوات الحرب والحصار الستار عن أعمق معركة يخوضها اليمنيون في تاريخهم المعاصر، وهي معركة الوعي التي تسقط فيها الأقنعة وتتعرى أمامها كل مبررات التخاذل والصمت المصطنع. وفي هذه المحطة الفاصلة من عمر الوطن، لم يعد يملك أحد ترف الوقوف في مربع الرمادية أو اتخاذ الحياد قناعاً يختبئ خلفه للتنصل من الواجب الديني والوطني والإنساني تجاه بلد يتعرض لعدوان شامل وحصار دمر البنية التحتية، وقتل النساء والأطفال، واستهدف مقومات الحياة؛ إن هذا التمترس خلف شعارات الحياد أمام قصف الموانئ والمطارات ونهب الثروات لا يمكن تصنيفه إلا كونه اصطفافاً غير مباشر مع المعتدي، وخذلاناً لشعب يدافع عن حقه البديهي في الوجود والسيادة.
إن ما يعيشه الشعب اليمني اليوم من حصار وتجويع ليس مجرد أزمة عابرة، هو امتداد تاريخي ونفسي لتلك المأساة الكبرى التي حلّت بالإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته في كربلاء، حيث تجدد قوى الطغيان الأساليب الوحشية ذاتها. إن منع الدواء والغذاء والوقود يعيد إلى الأذهان تلك اللحظات القاسية التي مُنعِ فيها ذرية النبي من شرب الماء حتى قضوا عطاشى في صحراء الطف؛ وكما كان منع مقومات الحياة عن آل البيت وسيلة لكسر إرادتهم الحرّة، يُمارَس اليوم السلاح ذاته ضد الشعب اليمني لإخضاعه وصناعة مأساة إنسانية معاصرة تشابه فاجعة كربلاء، حيث يقف اليمني شامخاً متمسكاً بكرامته ويردد بصموده ذات الشعار الحسيني الخالد: هيهات منا الذلة.
وتسعى أدوات الارتزاق لتزييف وعي المواطن وقلب الحقائق عبر تبرئة المتسبب الفعلي في المأساة، وتوجيه أصابع الاتهام نحو الداخل الذي يرزح تحت وطأة المعاناة؛ حيث يرتدي الخائن عباءة المواطن العطوف متباكياً على الجوع، ومتجاهلاً عن عمد القرارات الكارثية للعدوان، وعلى رأسها نقل البنك المركزي إلى عدن، ومصادرة الرواتب، وتوريد إيرادات النفط والغاز إلى البنك الأهلي السعودي، فضلاً عن إغلاق المنافذ وتشديد الخناق. وعند تفكيك الأبعاد الحقيقية لملف الثروات، يتضح حجم التناقض؛ إذ يطالبون صنعاء بالمرتبات بينما يعلم القاصي والداني أن منبع الثروات النفطية والغازية التي تشكل أكثر من سبعين بالمائة من الإيرادات يقع بالكامل في المحافظات الخاضعة لسيطرة العدوان السعودي والإماراتي والأمريكي في المناطق المحتلة، وليس في المحافظات المحررة.
ولا يقتصر هذا الزيف على الجوانب الاقتصادية، يمتد لتوظيف سياسي رخيص لمعاناة المواطنين; فبينما يلتزمون الصمت المطبق طوال السنة إزاء الحصار والتدمير الممنهج، تنطق ألسنتهم فجأة مع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف ليجعلوا من لقمة العيش أولوية مؤقتة، في محاولة بائسة لتشويش وعي المجتمع وصرف الأنظار عن المعركة المصيرية المتمثلة في مواجهة الهيمنة والوصاية الخارجية التي قُطعت أياديها وسفاراتها يوم أن قرر الشعب اليمني انتزاع حريته واستقلاله.
إن الرهان الحقيقي في هذه المواجهة التاريخية يظل معقوداً على وعي الشعب اليمني وصموده، ذلك الشعب الذي يميز بين من يشاركه ألم الحصار والجوع ويدافع عن كرامته، وبين من يتاجر بآلامه في أسواق الارتزاق. إن خيار اليمنيين الأحرار اليوم هو المضي قدماً في طريق التحرر، والعيش في وطنهم على مرّه وحلاه، مستمرين في رفد جبهات العزة والشرف ومستلهمين من كربلاء دروس التضحية والإباء، حتى يمنّ الله بالفرج والنصر المؤزر، وتتحطم على صخرة صمودهم كل مؤامرات العدوان والحصار، وتستعاد الثروات المنهوبة لتبني يمناً حراً، مستقلاً، ومهاب الجانب.

قد يعجبك ايضا