في تصعيد دموي جديد يعكس ضيق الصدر السعودي بأي صوت يطالب بأبسط مقومات الحياة، وفضحاً لوجه الاحتلال الجديد الذي لا يختلف عن الاحتلال البريطاني البغيض إلا في تفاصيل القسوة والوحشية، ارتكبت القوات الموالية والممولة مباشرة من الرياض جرائم بشعة بحق مدنيين عزل خرجوا في تظاهرات غاضبة بمدينتي عدن وسيئون، احتجاجاً على حرب الخدمات الممنهجة وانهيار منظومة الكهرباء التي حولت حياة أبناء الجنوب إلى جحيم لا يطاق في صيف لاهب ورطوبة قاتلة.
الثورة/ مصطفى المنتصر
فبينما كانت أصوات المحتجين تتعالى في شوارع مدينة عدن ووادي حضرموت النفطي للمطالبة بحقهم في النور والماء والكرامة، كانت الرصاصات السعودية تبحث عن صدور العزل لتسكت كل من يجرؤ على رفع صوته ضد سياسات التجويع والظلام التي تنفذها أدوات الرياض في المجلس الرئاسي وحكومة “الزنداني”. ولم تكن النتيجة سوى جثامين شهداء تساقطوا في الشوارع، وأسر تلفظ أنفاسها في العناية المركزة، وعشرات المختطفين خلف قضبان السجون السرية التي امتلأت عن آخرها.
رصاصة في الرأس بجولة دار سعد.. “نسيم جاحور” يدفع ثمن المطالبة بالكهرباء
في مدينة عدن، وتحديداً في جولة دار سعد التي تحولت إلى ساحة قتل مفتوحة، كان الشاب “نسيم عبدالله علي جاحور” يسير بين المتظاهرين السلميين يردد هتافاً واحداً: “نريد كهرباء.. نريد حياة”. لم يكن يحمل سلاحاً، ولم يهدد أحداً، كان فقط يريد أن تنير المصابيح منزله الذي تحول إلى فرن ملتهب تحت رطوبة عدن الخانقة. لكن رصاصة غادرة أطلقها عناصر مليشيات “درع الوطن”، المشكل والممول بالكامل من السعودية، وجدت طريقها إلى رأس نسيم، لتستقر الرصاصة فوق عينه وتخطف روحه على الفور، تاركة خلفها أماً تنتظر ابنها لا يعود، وأصدقاء لا يصدقون أن المطالبة بالكهرباء باتت جريمة تستحق الموت بالرصاص الحي.
في سيئون.. شقيقان بين شهيد ومصارع للموت برصاص “قوات الطوارئ” السعودية
ولم تكن مدينة سيئون حاضرة وادي حضرموت النفطي بأفضل حال من عدن، بل كانت الساحة الأخرى للجريمة السعودية المزدوجة. هناك، حيث تتجمع جموع المحتجين للمطالبة بحقهم في الخدمات التي نهبت أمام أعينهم، فتحت مليشيات “الطوارئ” التابعة للسعودية نيران أسلحتها بشكل مباشر وصادم على المتظاهرين العزل، دون سابق إنذار، وكأنهم كانوا ينتظرون لحظة خروج الناس ليصبوا عليهم غضبهم ورصاصهم معاً.
في تلك المجزرة، ارتقى الشاب “مناف صالح باسبعين الصيعري” قتيلا برصاص مليشيات الطوارئ السعودية، بينما سقط شقيقه “حامد” إلى جواره، تصيبه رصاصات غادرة تركته في حالة خطيرة، وهو الآن يرقد في غرفة العناية المركزة يصارع الموت، فيما أهله ينتظرون خبراً قد لا يأتي. شقيقان، أحدهما مات والآخر على حافة الموت، كل ذلك لأنهما تجرآ على المطالبة بحقهما في الكهرباء التي تذهب إلى حيث لا يعلمان.
مطاردة بالأزقة.. والمدرعات تطارد المتظاهرين العزل في ساحات الاحتجاج
ولم تكتفِ المليشيات الموالية للسعودية بالقتل والجرح، بل حولت شوارع عدن وسيئون إلى ساحات مطاردة وتخويف جماعي. فقد شنت حملة مداهمات واختطافات هستيرية، واستخدمت المدرعات والأطقم العسكرية الثقيلة لملاحقة المتظاهرين العزل داخل الأزقة الضيقة والأحياء السكنية المكتظة، وكأنها تحارب جيشاً نظامياً لا شعباً أعزل يطالب بمصباح كهرباء.
سجون سرية تبتلع الناشطين.. حملة اعتقالات جماعية تطال العشرات من منازلهم
كما شنت القوات السعودية حملة اعتقالات جماعية طالت عشرات الناشطين والمواطنين الذين تم انتزاعهم من منازلهم وشوارع المدينة لمجرد أنهم علقوا على صفحاتهم أو شاركوا في وقفة احتجاجية أو نددوا بانهيار الخدمات. هؤلاء المختطفون لا يعرف ذووهم مصيرهم حتى الآن، ولا تعرفهم المحاكم لأنهم لم يرتكبوا جريمة تستحق المحاكمة، كل ما في الأمر أنهم تحدوا سياسات القنصل السعودي في عدن وتجرأوا على رفع أصواتهم عالياً.
ويرى مراقبون ومواطنون أن هذا الإفراط في استخدام القوة العسكرية، وهذا التحول السريع من الاحتجاج السلمي إلى المجازر الميدانية، لا يعكس مجرد رد فعل لحظي، بل يعكس سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها الرياض وأدواتها في المحافظات الجنوبية والشرقية، وكأن الشعب بأكمله يُعاقب لأن بعض أبنائه تجرأ على المطالبة بحقه في الحياة.
عقاب جماعي بدل الخدمات.. لماذا تطلق السعودية الرصاص على الجياع؟
فبدلاً من أن تجلس السعودية مع عملائها في المجلس الرئاسي وحكومة الزنداني للاستماع إلى مطالب الشعب المشروعة، وبدلاً من أن تسعى لحل أزمة الكهرباء التي باتت تهدد حياة الملايين في ظل هذا الصيف اللاهب، وبدلاً من أن توقف نزيف الدماء قبل فوات الأوان، اختارت الرياض ومندوبها في عدن أن تواجه الأجساد العارية بالرصاص الحي والمدرعات والدوشكا، وكأن القتل هو الحل الوحيد الذي تتقنه.
الدماء لن تذهب هدراً.. والجنوب على موعد مع انتفاضة أوسع
لكن ما لا تدركه السعودية، أو ربما تدركه وتتجاهله، هو أن كل رصاصة تطلق على صدر متظاهر أعزل في عدن أو سيئون لن تخيف الجنوبيين، بل ستزيدهم إصراراً. فالشعب الذي انتصر على الاحتلال البريطاني بالأسلحة البيضاء في الستينيات، قادر اليوم على مواجهة الاحتلال السعودي بكل أشكاله وأدواته. إن الدماء التي تسيل في شوارع عدن وسيئون لن تذهب هدراً، بل ستكون وقوداً لانتفاضة شعبية أوسع، قد تتحول من الاحتجاج السلمي إلى الكفاح المسلح إذا استمر القمع والقتل والتجويع.
وسط سخط شعبي عارم يهدد باقتلاع جذور هذا الوجود العسكري السعودي في الجنوب، تظل الأسئلة معلقة: كم قتيلا يلزم حتى تشغيل محطة كهرباء واحدة؟ كم مختفياً في السجون السرية حتى تتحرك الضمائر الميتة؟ كم يوماً من الظلام والحر حتى تدرك السعودية أن الجنوب لن يركع؟ الإجابة يعرفها جيداً شعب عانى لعقود من الاحتلال والظلم، وخرج منتصراً في النهاية، وسيفعلها مرة أخرى.
