تستقبل الأمة الإسلامية مع إطلالة ذكرى المولد النبوي الشريف نفحات عطرة ومحطة تاريخية فارقة غيّرت وجه الإنسانية، وأخرجت البشرية من ظلمات الجهل والتفرقة إلى نور العلم والعدالة.
ولا يقتصر الاحتفاء بهذا اليوم الأغر على كونه مناسبة دينية عظيمة فحسب، بل يمثل فرصة استراتيجية متجددة لاستلهام القيم العميقة التي أسس لها النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم؛ وهي قيم البناء، والتآخي والجهاد، والرحمة، والعمل الجاد من أجل رفعة الأوطان وتقدمها وكيفية بناء الأمة الإسلامية في مواجهة أعدائها.
لقد تجاوزت مسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأطر التقليدية لتشكل مشروعاً حضارياً متكاملاً يرتكز على مكارم الأخلاق والعدل الاجتماعي، حيث علِمنا رسول الإنسانية أن بناء المجتمعات القوية يبدأ من العلم والمعرفة والجهاد في سبيل الله باعتبارهما الأساس الصلب لتقدم الأمم، ومن العمل والإنتاج وإتقان المهام والاعتماد على الذات، إلى جانب ترسيخ دعائم التلاحم المجتمعي وإرساء قيم المواطنة والأخوة الصادقة التي تجمع أبناء الوطن الواحد في مواجهة التحديات.
وعلى الصعيد الراهن، وفي ظل ما يشهده العالم من أزمات وتحديات متلاحمة، تقف الأمة اليوم في أمس الحاجة إلى استحضار الروح النبوية الوضاءة في الصبر، والثبات في ميادين الجهاد في مواجهة أخطار الأعداء، ورص الصفوف؛ إذ إن استدعاء هذه المعاني الإيمانية يمثل درعاً حصيناً لحماية الجبهة الداخلية، وتعزيز قيم التكافل والتلاحم بين أبناء المجتمع الواحد، ورفض كافة دعوات الفرقة والشتات.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية الملقاة على عاتقنا تتطلب التحلي بروح البناء والإصلاح، وجعل مصلحة الوطن والمجتمع فوق كل اعتبار، والتمسك بالهوية الأخلاقية المستمدة من معين النبوة الصافي، والتي تواجه التحديات بالاعتدال والوعي، مع العمل بحكمة واقتدار لضمان أمن واستقرار ومستقبل الأجيال القادمة.
ويكتسب هذا المشهد عمقاً روحياً مميزاً حين يطل علينا حفيد النبوة، قائد المسيرة القرآنية السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، ليلقي خطابه التاريخي في ذكرى مولد جده الأعظم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ هذا الخطاب الذي يزودنا بالمزيد من الوعي والبصيرة، ويزيدنا تمسكاً وثباتاً في الاحتفال بمولد رسول الهداية، مستلهمين منه الدروس العظيمة لمواجهة التحديات ونصرة المستضعفين، وتعزيز الارتباط بالهوية الإيمانية والمشروع القرآني النهضوي.
سيبقى المولد النبوي الشريف مدرسة متجددة للتزود بالقيم الإنسانية السامية، ومحطة سنوية لتأكيد الولاء للمبادئ العظيمة التي جاء بها الخاتم الأمين صلى الله عليه وآله وسلم، ومرتكزاً أساسياً لانطلاق مسيرة الوعي والجهاد وبناء الأوطان. نسأل الله العلي القدير أن يعيد هذه المناسبة العطرة على وطننا وأمتنا الإسلامية بالخير واليمن والبركات، وأن يديم علينا نعمة الأمن والأمان والاستقرار.
