مقتل الطبيبين السوريين في عدن المحتلة.. فوضى سلاح أم اغتيال سياسي عابر للحدود؟

الثورة / قضايا وناس

لم تكن الفاجعة الدموية التي هزت الأوساط الطبية والشعبية في مدينة عدن نهاية الأسبوع الماضي، مجرد حدث عابر في سجل الفوضى الأمنية التي تعيشها المدينة الخاضعة لسيطرة فصائل تحالف العدوان الأمريكي السعودي؛ بل شكلت صدمة حقيقية أسفرت عن خسارة أبرز الكفاءات الاستشارية العربية في المدينة: الطبيب السوري الدكتور سامر أحمد حسن -استشاري الأمراض الباطنية وزراعة الكلى وزوجته الدكتورة سماهر الموسى – استشارية أمراض الروماتيزم والمناعة.

وفي حين حاولت الرواية الرسمية الصادرة عن السلطات الأمنية التابعة للمرتزقة في عدن تسويق الحادثة على أنها “واقعة عرضية” ناتجة عن إطلاق نار عشوائي وتمرد أحد مجندي حراسة منزل ما يسمى محافظ عدن في مديرية المنصورة، فإن خيوط القصة وأبعادها الرقمية والسياسية تشير إلى مسار مغاير تماماً، فالقراءة المتأنية للمعطيات ترفع الستار عن أبعاد أمنية خطيرة، لتتحول الجريمة إلى عملية اغتيال سياسي مدبرة وتصفية جسدية مغطاة سياسياً.

التعبئة الرقمية:.. حملة تحريض ممنهجة تقود إلى التصفية

تؤكد الوثائق الرقمية والمنشورات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي أن الرصاصات التي اخترقت جسد الطبيبين لم تكن “طائشة”، بل جاءت كتتويج مباشر لحملة تحريض ممنهجة قادها ناشطون وإعلاميون يتبعون مليشيا حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) طوال الأيام التي سبقت الجريمة.

ورصد المراقبون استهدافاً مكثفاً للزوجين (حسن والموسى) عبر شحن الشارع المحلي ضدهما، وتعبئة الرأي العام للتخلص منهما والتحريض لتصفيتها جسدياً .

الذرائع السياسية

استندت الحملة الإخوانية إلى اتهامات ومزاعم سياسية تدعي ارتباط الطبيبين بنظام الرئيس السوري بشار الأسد، مستغلين خلفيتهما المهنية السابقة لإثارة النعرات السياسية والتحريض على تصفيتهما جسديا .

ويرى مراقبون وحقوقيون أن هذا التلازم الزمني والفكري بين حملات التحريض على الإنترنت والتنفيذ على أرض الواقع، يكشف عن استراتيجية خطيرة تتبعها القوى النافذة في عدن، حيث يتم توظيف خلايا وأجندات أمنية محلية لتنفيذ حسابات سياسية خارجية وشرعنة الاغتيالات تحت غطاء الفوضى.

خيوط الجريمة.. من دمشق إلى عدن

تتبع مسار التحريض، يظهر بوضوح أن خيوط الجريمة تمتد في تداخل مشبوه يبدأ من حسابات ومنصات محسوبة على حكومة العصابات المسلحة في سوريا، وينتهي عند مليشيا حزب الإصلاح في المناطق المحتلة، فقد سبقت حملة ناشطي حزب الإصلاح منشورات تحريضية من معرفات سورية معارضة ركزت على الهوية المهنية للأطباء، وتلقفتها الماكينة الإعلامية لحزب الإصلاح، لتبني عليها مبررات التصفية، مما يشير إلى تنسيق، أفضى إلى إهدار دم الطبيبين وإنهاء حياتهما.

السيرة المهنية ومشفى تشرين العسكري

أثارت الهوية المهنية للضحيتين جدلاً واسعاً استغلته الأطراف المحرضة لتبرير تصفيتها؛ وبناءً على التحقيقات الرقمية المفتوحة المصدر التي أجرتها منصات مستقلة كمنصة “تأكد”، تم توثيق السيرة المهنية للزوجين ليتضح أنهما من أبرز الكفاءات الطبية ، فقد بينت الملفات المهنية الخاصة بالطبيبة سماهر الموسى—ومنها ملفها الشخصي على موقع التوظيف بيت كوم وإعلانات انضمامها لكوادر مجمع برج الأطباء اليمني في يونيو 2025م—أنها كانت تعمل سابقاً كاستشارية لأمراض الروماتيزم والمناعة في مشفى تشرين العسكري بالعاصمة السورية دمشق.

وفي السياق تم توثيق الخلفية المهنية لزوجها الدكتور سامر أحمد حسن، حيث أكدت وكالة الأنباء السورية (سانا) في تغطية لها تعود لسبتمبر 2022م مشاركته في المؤتمر العلمي السنوي لرابطة أمراض الكلى بصفته اختصاصياً في المشفى نفسه، بالتزامن مع ما تداولته حسابات رقمية قبل مقتله بأيام حول توليه إدارة قسم الكلية والتشريح في المنشأة ذاتها.

وتكتسب هذه التفاصيل أهميتها بالنظر إلى طبيعة مشفى تشرين العسكري الكائن في منطقة برزة بدمشق، إذ يعد من أكبر المشافي العسكرية التابعة لوزارة الدفاع السورية، وارتبط اسمه في العديد من التقارير الحقوقية اوشهادات وصور «قيصر» والتي كانت تصدرها جهات محسوبة على الجماعات المسلحة بوصفه محطة طبية وإدارية تُحال إليها جثامين المعتقلين لتوثيق وفاتها.

وقد شكّلت هذه الخلفية الحساسة الوقود الإخباري الذي تلقفته الماكينة الإعلامية لمليشيا حزب الإصلاح والناشطون الموالون له، حيث جرى استغلالها لشيطنة الطبيبين وتحويلهما من كفاءات إنسانية تقدم خدمات طبية جليلة للمواطنين في عدن، إلى أهداف سياسية مشروعة للتصفية الجسدية، والتغطية على جريمة الاغتيال خلف مبررات سياسية عابرة للحدود، رغم غياب أي دليل يربط بين ماضيهما المهني والحادثة الأمنية التي أودت بحياتهما .

الأبعاد الأمنية للجريمة

تتجاوز جريمة اغتيال الطبيبين السوريين في مديرية المنصورة بعدن المحتلة حدود «المنفذ المباشر» لتسلط الضوء على اختراق أمني نوعي، يعكس دلالات بالغة الخطورة حول طبيعة إدارة المشهد الأمني في المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل تحالف العدوان، ويمكن تفكيك هذه الأبعاد الأمنية إلى عدة ركائز:

توظيف »الغطاء العسكري« الرسمي:

إن تنفيذ الجريمة برصاص أحد أفراد الحراسة المكلفين بتأمين منزل قيادي بارز (محافظ عدن) يثبت أن الخلايا المنفذة باتت تمتلك القدرة على التغلغل داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، واستخدام السلاح الرسمي والغطاء الشرعي لتمرير عمليات تصفية الحسابات السياسية، مما يسقط فرضية «الانفلات العشوائي» لصالح «الاستغلال الممنهج.

ترابط الدوائر الاستخباراتية والمحلية:

يكشف مسار الحادثة عن وجود «غرفة عمليات غير معلنة» استطاعت تتبع الطبيبين، ورصد تحركاتهما بدقة فور صدور الضوء الأخضر من منصات التحريض الرقمية.

هذا التناغم بين التعبئة الإعلامية والتنفيذ الميداني يشير إلى أن الجريمة أدارتها عقول أمنية متمرسة قادرة على تحريك الأدوات المحلية على الأرض لخدمة أجندات خارجية عابرة للحدود.

تحويل عدن إلى ساحة تصفيات دولية:

يحمل اختيار طبيبين يحملان الجنسية السورية ومحسوبين على خلفية مهنية معينة رسالة أمنية واضحة؛ مفادها أن مدينة عدن تحولت بفعل فوضى المليشيات إلى بيئة طاردة للكفاءات، وساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، حيث يمكن لأي جهاز استخباراتي أو فصيل محلي إهدار دم المقيمين والبعثات الإنسانية دون رادع.

استراتيجية »الجريمة النظيفة« سياسياً:

يعتمد المحور الأمني للجريمة على فكرة «التمويه الجنائي»، فمن خلال اختيار مسرح جريمة يشهد توتراً أو إطلاق نار عشوائي، حاولت الجهات المدبرة—وعلى رأسها مليشيا حزب الإصلاح—إدراج القضية ضمن بند «الخطأ المسلح» أو «الرصاص الطائش»، وهي الاستراتيجية الأمنية المتبعة لإغلاق ملفات الاغتيالات السياسية وتقييدها ضد مجهول، أو تحميلها لمجند معزول لضمان إفلات الرؤوس الكبيرة من العقاب والملاحقة الدولية.

إن هذه الأبعاد الأمنية المجتمعة تؤكد أن تصفية الدكتور سامر حسن وزوجته الدكتورة سماهر الموسى لم تكن وليدة الصدفة، بل هي مؤشر خطير على مرحلة جديدة من الاغتيالات المغطاة سياسياً، والتي تُدار بأدوات محلية وبأوامر وتخطيط يتجاوز الحدود اليمنية.

قد يعجبك ايضا