تحصين الجبهة الداخلية

شاهر أحمد عمير

 

في زمنٍ تتداخل فيه أشكال المواجهة وتتطور أساليب الحروب المعاصرة، تبرز الحاجة الملحة إلى قراءة واعية ومتبصرة لطبيعة الصراع الراهن الذي تخوضه الأمة الإسلامية ضد قوى الاستكبار العالمي، صراع لم يعد يقتصر على أزيز الرصاص وهدير الطائرات، امتد ليتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية والمنظومات الفكرية والاجتماعية. ولم تكن المحاضرة الثالثة لقائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، ضمن سلسلة محاضراته القيمة «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم»، مجرد وعظٍ عابر أو تذكير روتيني، بل هي مثّلت وثيقة استراتيجية متكاملة، ورؤية تحليلية عميقة تضع النقاط على الحروف في معركة الوعي والوجود، وتكشف أبعاد المخططات التي تحاك في غرف الاستخبارات الدولية لضرب الأمة في مكمن قوتها. لقد ركّز السيد القائد في هذا المسار التوجيهي والفكري على واحدة من أخطر المعارك التي تواجهها جبهتنا الداخلية، وهي معركة الاختراق والتدجين الناعم، معتبراً إياها أشد فتكاً وأكثر خطورة من المواجهات العسكرية المباشرة في خطوط التماس، نظراً لما تمثله من تهديد مباشر وهدم صامت للبنية الفكرية والأخلاقية والأمنية والسياسية للمجتمع، وهي معركة لا تُستخدم فيها المدافع ابتداءً، تُستهدف فيها العقول والقلوب لتهيئة الأرضية لسقوط القلاع من الداخل دون كلفة عسكرية تذكر للعدو، حيث يصبح الضحية هو من ينفذ أجندة جلاده طواعية ودون وعي منه.

وتأسيساً على هذا التشخيص القيادي الإستراتيجي الفارق، فإن فهم أبعاد المعركة يتطلب تفكيكاً دقيقاً وسبرًا لآليات عمل العدو التي تنقسم إلى مسارين متوازيين يعملان بتناغم خبيث وتكامل مدروس: المسار الناعم الذي يستهدف الهوية والقيم والروابط الروحية، والمسار الخشن الذي يستهدف الأمن والاستقرار والمعيشة والاقتصاد. إن خطورة الاختراق الداخلي تكمن في أنه يتجاوز خطوط الدفاع التقليدية ويتخطى الحدود الجغرافية التي تحميها الجيوش؛ فالقوات المسلحة والمرابطون يمكنهم الصمود والثبات على الثغور والجبهات لسنوات طويلة ما دامت الجبهة الخلفية متماسكة، صلبة، ومؤمنة بالوعي والبصيرة، ولكن حين ينجح العدو في التسلل إلى عمق الأمة الفكري والأخلاقي، فإنه يحول الضحية إلى أداة طيعة ومعول هدم يخدم مشاريعه ويحقق أهدافه الهدامة من حيث لا يشعر. وهذا التدجين والاستلاب الثقافي صُمم خصيصاً لتمييع الروح الجهادية، وإفراغ الإنسان اليمني والمسلم من عناصر قوته الإيمانية وثوابته الفطرية التي تشكل الصخرة الصلبة في مواجهة الطغيان والاستعمار، ومن هنا تحديداً تصبح معركة الوعي هي خط الدفاع الأول والأهم، وتصبح الكلمة الحرة والفكرة المسؤولة الملتزمة بالمنهج القرآني سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية أو تأثيرًا عن البندقية والصاروخ في يد المقاتل في متاريس الشرف والبطولة.

وفي رصد الأدوات الناعمة التي يعتمد عليها الأعداء في هذه الحرب غير المتكافئة أدواتياً، نجد تركيزاً ممنهجاً ومكثفاً على مسار الإفساد الأخلاقي والسلوكي، وتوجيهه بذكاء خبيث نحو شريحة الشباب والنشء بشكل خاص، باعتبارهم عماد الحاضر وكل المستقبل وقود أي تحول حضاري، حيث يسعى العدو عبر وسائل الإعلام الحديثة، والمنصات الرقمية الموجهة، وبث الثقافات المغلوطة والوافدة، إلى تمييع قيم العفة والشرف والمسؤولية الإيمانية، واستبدالها بنمط حياة استهلاكي وتائه، يغرق في السطحية والأنية والتحلل من الالتزام الديني والقبلي الأصيل. إن هذا الإفساد الممنهج ليس عفوياً أو نتاج تطور تكنولوجي طبيعي، هو هندسة اجتماعية واعية برعاية قوى الاستكبار وعلى رأسها أمريكا والصهيونية، تهدف إلى سلب المجتمع بأسره روحه الإبائية وحميّته الإيمانية والقبلية، ليتحول إلى مجتمع هجين، فاقد للهوية، وقابل للاستعمار والتبعية والارتهان دون أدنى مقاومة. ويرافق هذا الإفساد الأخلاقي تضليل فكري وإعلامي شرس، يعتمد على صناعة الشائعات اليومية، وزرع روح الإحباط واليأس في النفوس، وتشويه المواقف المحقة للقيادة والشعب، وقلب الحقائق رأساً على عقب، بحيث يُصوّر المدافع عن أرضه وعرضه ومقدساته وسيادة بلده وكأنه سبب الأزمات ومصدر المعاناة، بينما يُقدَّم المعتدي والمستكبر والحصار الخارجي في صورة المنقذ أو القوة الإنسانية التي لا تُقهر، وهي حرب نفسية إعلامية تهدف بالدرجة الأولى إلى ضرب الروح المعنوية، وكسر الإرادة الشعبية الصلبة، ودفع الناس نحو الاستسلام الطوعي بعد غسل أدمغتهم بمفاهيم الهزيمة المسبقة والتبعية المطلقة للغرب.

وبالتوازي مع هذه الحرب الناعمة، تتحرك أدوات العدو الخشنة في الميدان لتكمل حلقة الحصار والضغط والاختراق، حيث ينشط الطابور الخامس وخلايا الرصد والتحريض الأمني كأذرع محلية رخيصة تعمل لصالح أجهزة المخابرات الخارجية، مستغلةً في ذلك أي ثغرة أمنية أو خلافات اجتماعية أو نزاعات قبلية لتغذية الصراعات البينية وإذكاء نار الفتن، وتحويل الأنظار والجهود عن المعركة الحقيقية والمصيرية مع العدو الخارجي الذي يتربص بالجميع. إن تحريك ملفات الفتن والنزاعات الثأرية والمناطقية والمذهبية في هذا التوقيت الحرج الذي يخوض فيه اليمن معركة السيادة والدفاع عن مقدسات الأمة، ليس إلا محاولة بائسة لشق الصف الوطني وتفكيك التلاحم القبلي والاجتماعي الذي يمتاز به المجتمع اليمني، والذي يمثل عبر التاريخ صمام الأمان والدرع الواقي طوال سنوات الصراع والعدوان. ولا يتوقف المسار الخشن عند حدود الأمن المباشر والاغتيالات وإثارة القلاقل، يمتد بضراوة إلى الجبهة الاقتصادية والمعيشية عبر تشديد الحصار الجائر، واستهداف العملة الوطنية، وتجفيف الإيرادات، والمؤامرات السياسية التي تهدف إلى التضييق الخانق على معيشة المواطنين اليومية، ومن ثم محاولة توجيه هذا السخط الشعبي المعيشي المبرر نتاج الحصار نحو الداخل والجبهة الوطنية وسلطة الدولة، بدلاً من توجيهه نحو الفاعل الحقيقي والعدو المستكبر الذي يمارس هذا التجويع الممنهج والعقاب الجماعي كأداة ضغط غير أخلاقية لتركيع الشعب وفصل الحاضنة الشعبية الوفية عن قيادتها المباركة ومبادئها وثوابتها الإيمانية والوطنية.

إن المواجهة الشاملة والناجحة لهذه المؤامرات الممنهجة والزحف الخفي للأعداء تفرض على الأمة اليوم، بجميع مكوناتها، العودة الصادقة والواعية والعملية إلى المعين الصافي والدرع الحصين الذي قدمه السيد القائد في طرحه الاستراتيجي، وهو الرؤية القرآنية والمشروع القرآني الذي يمنح الأمة البصيرة النافذة والفرقان الجلي لفرز المواقف بدقة ومعرفة العدو الحقيقي من الصديق، وتكشف الخلفيات الخفية والنوايا المبطنة لتحركات الأعداء مهما تخفوا وراء شعارات براقة وعناوين إنسانية أو حقوقية زائفة. فالتمسك بالقرآن الكريم والتحرك الجاد وفق توجيهاته وأعلام الهدى ليس مجرد طقس تعبدي معزول عن واقع الحياة، هو سياج أمني وفكري وثقافي متكامل، يعيد بناء الإنسان والمجتمع على أساس من العزة، الكرامة، والمسؤولية، ويحصنه نفسياً ومعنوياً ضد الاختراق الأخلاقي والتضليل الإعلامي والدعايات المغرضة. ومن هنا يبرز الدور المحوري والمقدس والمضاعف للنخب الثقافية، والإعلامية، والوجاهات القبلية الأصيلة، والعلماء الأجلاء، في تعزيز حالة التلاحم الداخلي، ورأب الصدع الاجتماعي، والعمل برروح الفريق الواحد والجسد الواحد لإغلاق كل الثغرات والمسامات التي يمكن أن يتسلل منها الأعداء، ونشر الوعي القرآني وبصائر الهدى التي تفضح أساليب الحرب الناعمة وتعرّي أدوات الحرب الخشنة، وترسخ قيم الثبات والصمود، ليبقى اليمن العظيم، كما كان دوماً عبر العصور، مقبرةً للغزاة، وعصياً على التدجين، وصخرةً حيدية صلبةً تتحطم عليها كل مؤامرات الاستكبار العالمي وأدواته الخبيثة والناعمة.

 

 

قد يعجبك ايضا