مراوغات الغموض الاستراتيجي

حمدي دوبلة

-حذرنا منذ وقت مبكر من عمر الهدنة، التي وضعت حدا مؤقتا للعدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفي هذه الزاوية الصحفية، من مخاطر انجرار الأشقاء في إيران إلى حالة اللا حرب واللا سلم والتي عانى اليمن من ويلاتها وتبعاتها الكارثية لسنوات طويلة وما زال الشعب اليمني يدفع الأثمان الباهظة جراء هذه الحالة التي تعد تجسيدا حيا لمفاهيم الجمود السياسي والعسكري، حيث لا تنفجر مواجهة شاملة ولا يتحقق سلام مستقر، بل تبقى الساحة في دائرة من الترقب والقلق المستمر والمعاناة الإنسانية المتفاقمة، بينما يمضي العدو في خروقاته وجرائمه بوسائل وأساليب متعددة.

-الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تبنّى مؤخرا ما أسماه “الغموض الاستراتيجي” في التعاطي مع الملف الإيراني وهو نهج يقوم على إبقاء الخصم في حالة عدم يقين، فلا يدري تماما متى سيشن العدو جولة عدوانية جديدة وهل سيكتفي بما فرضه من عقوبات أم سيمضي في ابتكار العقوبات تلو الأخرى، وكل ذلك بهدف إنهاك الداخل الإيراني عبر الضغط النفسي والاقتصادي دون تحمل كلفة الحرب المباشرة، مع حديث دائم عن تنفيذ عمليات عسكرية محدودة، قد تصنف بأنها دون الحرب وفوق الهدنة ولا تستدعي انفجارا شاملا في ميدان المواجهة.

– غموض ترامب يحمل في طياته مخاطر جسيمة، فاستمرار حالة “اللا حرب واللا سلم” يفتح الباب أمام احتمالات الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة سواء عبر اشتباكات محدودة في الخليج أو عبر تصعيد في ملفات إقليمية أخرى، كما أن هذه الحالة تضع المنطقة بأسرها على صفيح ساخن، حيث تتأثر أسواق الطاقة وتتعطل مسارات التنمية ويزداد القلق الشعبي من مستقبل غير واضح المعالم.

-التعامل الإيراني المطلوب مع سياسة “الغموض الاستراتيجي”، يتطلب أولاً إدراك أن الهدف الأمريكي، ليس بالضرورة الحرب المباشرة، بل إنهاك البلد وإبقاءه في حالة استنزاف دائم.

-بطبيعة الحال فإن التصدي لهذه المراوغات، يستدعي من الجانب الإيراني، اعتماد العديد من الخطوات اللازمة، أبرزها تعزيز الجبهة الداخلية عبر سياسات اقتصادية تقلل الاعتماد على الخارج وتدعم الإنتاج المحلي وتوفر شبكات حماية اجتماعية للفئات الأكثر تضرراً، إلى جانب تنويع العلاقات الدولية من خلال بناء شراكات مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا والانفتاح على أسواق بديلة لتخفيف أثر العقوبات وكذلك إدارة الخطاب السياسي بذكاء، بحيث يتم تفكيك رواية “الخطر الإيراني”، التي يروج لها ترامب وإبراز أن إيران تسعى إلى الاستقرار الإقليمي لا إلى التصعيد.

-على الأشقاء في إيران كذلك الاستثمار في الدبلوماسية الوقائية عبر مبادرات إقليمية تقلل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية وتفتح قنوات للحوار حتى في ظل التوتر.

-إن مواجهة هذا التكتيك الأمريكي الخبيث، يتطلب وعياً عميقاً بطبيعة المراوغات الأمريكية وإرادة سياسية واقتصادية قادرة على الصمود والمناورة، فالغموض الاستراتيجي قد يبدو في ظاهره أداة ضغط، لكنه في جوهره سلاح ذو حدين وقد ينقلب على من يستخدمه إذا ما نجحت إيران في تحويله إلى فرصة لتعزيز تماسكها الداخلي وتوسيع خياراتها الدولية.

 

 

قد يعجبك ايضا