الكهرباء والماء.. خدمات اختفت من حياة اليمنيين في المحافظات المحتلة والمواطن يدفع الثمن:في عدن وغيرها.. الظلام ليس مجرد انقطاع للتيار.. بل انقطاع للحياة بكل تفاصيلها

 

ما بين حرارة تتجاوز الخمسين درجة صيفاً، وظلام يمتد لأكثر من عشرين ساعة يومياً، يعيش ملايين اليمنيين في المحافظات الجنوبية والشرقية الخاضعة لسيطرة قوى الاحتلال السعودي ومرتزقتها، واقعاً لم يعد يحتمله بشر، واقعاً تحولت فيه أبسط مقومات الحياة من كهرباء وماء إلى سلعة نادرة يتنافس عليها المواطنون وكأنهم في سوق للمزاد.

الثورة / مصطفى المنتصر

بعد عشر سنوات من الاحتلال، لم يشهد المواطنون في المحافظات الجنوبية والشرقية إلا التدمير والظلام وتفاقم المعاناة، وعبر هذا التقرير نسعى إلى كشف حجم الإنسانية التي يعيشها المواطن اليمني تحت وطأة سياسة إهمال ممنهجة يمارسها المحتل السعودي وأدواته المحلية، في الوقت الذي تُنفق فيه المليارات على المظاهر والواجهات دون أن يلمس المواطن منها شيئاً.

الكهرباء.. من حق إلى رفاهية مستحيلة

في مدينة عدن، التي تعد من ضمن أكبر المدن اليمنية كثافة سكانية والتي كانت يوماً ما تُلقّب بـ”عروس الجنوب”، لم يعد المواطن يتذكر آخر مرة نام فيها والكهرباء موصولة بشكل مستمر، أما في حضرموت، فالوضع لا يقل سوءاً، حيث تتراوح ساعات الانقطاع اليومي بين 16 و20 ساعة في معظم المدن، فيما تعمل محطة كهرباء المكلا بطاقة لا تتجاوز 25 % من قدرتها الفعلية البالغة 120 ميغاواط، وفقاً لمصادر فنية مطّلعة.

وفي تعز، يعيش المواطنون على إيقاع انقطاعات عشوائية تماماً، حيث لا جدول ثابت للتيار، ما يعني أن المواطن لا يستطيع التخطيط لأي شيء في حياته اليومية.

وبحسب سياسيين، فإن ما تعانيه هذه المحافظات، ليس نتيجة “نقص في الإمكانيات” كما يدّعي المحتل، بل هو نتيجة سياسة إهمال متعمدة تهدف إلى إبقاء المواطن في حالة من التبعية والعجز، وهو ما يتوافق مع المخطط الاستعماري السعودي الذي لا يرى في اليمنيين سوى أداة لتحقيق مصالحه.

الماء.. الأزمة التي لا تروى

إذا كانت الكهرباء قد تحولت إلى حلم بعيد المنال، فإن المياه باتت هي الأزمة الأخطر والأكثر فتكاً بحياة المواطنين وبسبب أزمة المياه التي تفاقمت نتيجة انقطاع الكهرباء ، في عدن يعتمد أكثر من 70 % من الأسر على خزانات المياه المتنقلة، حيث يتراوح سعر الخزان الواحد (5 آلاف لتر) بين20 إلى 25 ألف ريال، وهو مبلغ يعجز كثير من الأسر عن تحمّله شهرياً.

وفي تعز، تفاقمت الأزمة بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة، حيث توقفت عدة آبار ومحطات ضخ عن العمل بسبب نقص الوقود وتعطّل المعدات، مما دفع آلاف الأسر إلى الاعتماد على مياه الأمطار الموسمية التي لا تكفي، أو شراء المياه من الوايتات بأسعار فلكية.

وعود “التنمية”.. كذبة كبرى لا تنتهي

منذ سيطرة قوى الاحتلال السعودي ومرتزقتها على المحافظات الجنوبية والشرقية، وهي تطلق حملات إعلامية ضخمة عن “مشاريع تنموية كبرى” و”تحسين جودة الحياة” و”إعادة إعمار ما خلفته الحروب بين الأدوات لكن الواقع على الأرض يقول عكس ذلك تماماً.

فقد كشفت تقارير ميدانية أن معظم المشاريع التي أُعلن عنها إما لم تنفذ، أو نفذت بشكل ورقي ومزيف لأغراض إعلامية فقط، في حين أن البنية التحتية الحقيقية للكهرباء والمياه لم تشهد أي تحسّن يذكر منذ سنوات.

أمثلة واقعية للمشاريع الوهمية

المشروع المعلن عنه بناء محطة كهرباء عدن الجديدة بقدرة (300 ميغاواط) | لم يتم تنفيذه فالمشروع متوقف منذ 2018م وكذا مشروع تحلية مياه المكلا الذي أُعلن عنه 3 مرات، لم ينفذ، بالإضافة إلى مشروع إعادة تأهيل شبكة كهرباء شبوة، لم يتم إصلاح سوى 10 % من الشبكة، ومشروع مياه عدن الكبرى متوقف والأنابيب متهالكة منذ عقود .

الصحة والتعليم.. ضحايا صامتون

لم تقتصر تداعيات أزمة الكهرباء والماء على الانزعاج اليومي فحسب، بل امتدت لتضرب قطاعي الصحة والتعليم بشكل مباشر وخطير.

ففي قطاع الصحة:

توقفت عشرات المستشفيات والمراكز الصحية عن العمل بشكل طبيعي بسبب انقطاع الكهرباء، مما اضطر الأطباء إلى إجراء العمليات الجراحية على ضوء الهواتف المحمولة في مشاهد مأساوية.

– تعطّلت أجهزة التبريد في المشافي، مما أدى إلى تلف كميات كبيرة من الأدوية واللقاحات، خاصة في ظل انتشار أمراض مثل الملاريا والكوليرا.

وفي قطاع التعليم:

توقف آلاف الطلاب عن الدراسة بسبب انقطاع الكهرباء ليلاً، حيث لا يستطيعون المذاكرة أو استخدام الحواسيب.

تأثرت الامتحانات الرسمية بشكل مباشر، حيث اضطرت كثير من المدارس إلى تأجيلها أو إلغائها بسبب عدم توفر الكهرباء

تسويق الوهم ونهب الثروات

إن ما يحدث في المحافظات الجنوبية والشرقية من أزمة كهرباء ومياه خانقة، ليس إلا وجهاً آخر من وجوه الاحتلال السعودي الذي جاء لينهب خيرات اليمن ويذل شعبها، ثم راح يوهمهم بأنه جاء ليُحسّن حياتهم. إنه احتلال يسرق النور والماء والغذاء، ثم يبيع لك “الأمل” بثمن باهظ.

واليوم، ومع تفاقم الأزمة وتعمقها، بات واضحاً أكثر من أي وقت مضى، أن الحل لن يأتي من المحتل ولا من أدواته، وأن الخلاص الحقيقي يكمن في تحرير الأرض وإنهاء الاحتلال، وهو ما يُدركه كل يمني حرّ يرفض أن يعيش في ظلام يفرضه عليه محتل يدعي النور.

قد يعجبك ايضا