المأزِق الاستراتيجي الأمريكي

يكتبها اليوم / سند الصايدي

المأزِق الاستراتيجي الأمريكي

 

سند الصيادي

 

في مشهدٍ يلخّص بدقة حال القوة الأمريكية المتعثّرة، لم تكن العملية الأخيرة قرب مضيق هرمز استعراضًا للقوة بقدر ما كانت مرآةً صافيةً تعكسُ عمقَ مأزقٍ استراتيجي لم يعد بالإمْكَان إخفاء ملامحه.

حاولت واشنطن تسويقَ مناورتها العسكرية تحت لافتة “مشروع الحرية”، الاسم الذي أطلقه ترامب على المبادرة قبل يومين من إعلان القيادة المركزية بدء تنفيذها، غير أنّ صدى الميدان، وتقديرات دوائر التحليل -من داخل المؤسّسة الأمريكية ذاتها- جاءت كاشفةً للمشهد: ما جرى لم يكن سوى محاولة يائسة لانتزاع نصرٍ وهمي في لحظة عجزٍ مركّب.

اليوم، لم يعد هرمز مُجَـرّد ممرٍ مائيٍ استراتيجي، لقد تحوّل هذا المضيق في الوعي الأمريكي إلى مختبرٍ عملي أظهر حدود القوة الأمريكية، وكشف انعدام البدائل.

فالبوارج التي تدفقت إلى مياه الخليج -مدمّـرات مجهزة بصواريخ موجّهة، وأكثر من 100 طائرة مقاتلة، و15 ألف جندي- لم تنجح في إحياء فرضية قديمة عن إمْكَانية إخضاع المنطقة بالقوة، وهي فرضية مهترئة اصطدمت بواقعٍ جديد فرضته موازين القوى، حَيثُ لم تعد الإرادَة تُفرض من طرفٍ واحد، وباتت تُقابل بمعادلات ردعٍ متماسكة.

لقد تآكلت هذه النظريةُ بفعل صمود الجمهورية الإسلامية في إيران؛ ما جعل احتمالات الفشل الأمريكي مادةً رئيسية في نقاشات مراكز الأبحاث، وهاجسًا دائمًا لدى المحللين العسكريين السابقين.

فالعملية -وفق قراءاتهم- افتقرت إلى أهداف واضحة، وتجاهلت حقيقة التفوق الجغرافي والاستراتيجي لقوى تمتلك مفاتيح التأثير في المنطقة.

غير أن الإخفاق أعمق بكثير من كونه تكتيكيًّا؛ إذ بدا الارتباك الاستراتيجي جليًّا في الخطاب الأمريكي ذاته: تصريحات متناقضة، توصيفات متبدلة، ورسائل متضاربة، تارةً إنذار، وتارةً حديث عن “فتح ممرات”، وفي قلب هذا التناقض، تتكشف أزمة إدارة تبحث عن صورة نصر، بعد أن عز الحصول على نصرٍ حقيقي.

وهنا يبرز السؤال الأكثر جوهرية: منذ متى ارتبطت السياسة الأمريكية بالإنسانية؟ وهل يحتاج العالم إلى البحث عن تلك الإنسانية في هرمز، بعد ما جرى في غزة؟

في قطاع غزة، لم تكن “الإنسانية الأمريكية” سوى شريك مباشر في واحدة من أكثر الحروب دمويةً في العصر الحديث، طائرات تقصف، بنى تُدمّـر، وأرواح تُزهق.

مشهدٌ يتكرّر في المدارس والمستشفيات والخيام، ليؤكّـد أن استهداف المدنيين لم يعد خطأً عرضيًّا، إنما هو نمطٌ متكرّر يثير أسئلة أخلاقية عميقة حول طبيعة القرار العسكري ذاته.

ومع اتساع رقعة الصراع، امتد هذا النمط -بدعم وإسناد ومشاركة أمريكية- إلى لبنان وإيران، وهو ما أسقط ما تبقى من خطاب “الشرعية” و”القانون الدولي”.

وبالعودة إلى هرمز، يتضح أن ما يحدُثُ ليس مُجَـرّد تعثر عسكري فقط، هو أيضًا انكشاف مزدوج: استراتيجي وأخلاقي.

فأمريكا التي تدّعي حماية الاستقرار هي من تسعى إلى تقويضه، و”النصر” الذي تبحث عنه في مياه الخليج يتبدد قبل أن يتشكّل؛ لأن معادلات القوة تغيّرت جذريًّا.

لقد سقطت مقولةَ أن البوارجِ تصنعُ النصر، ففي واقع اليوم، تصنعه الإرادَة، ويثبّته الصمود، وتحسمه القدرة على فرض معادلات ردعٍ متبادلة.

في هذا السياق، يبرز ثباتُ الجمهورية الإسلامية في إيران، إلى جانب محور المقاومة، كعاملٍ حاسم أعاد تشكيلَ موازين القوى ورسم قواعد جديدة للاشتباك، تمامًا كما تجلّى في مشهد الرد الإيراني المغامرة الأمريكية.

الخلاصة إن ما يجري في مضيق هرمز محطة كاشفة لمرحلة جديدة، مرحلة تتراجع فيها الهيمنة الأحادية، وتتقدّم فيها إرادات الشعوب.

أما واشنطن، فستكتشف -متأخرة- أن الأزمات الاستراتيجية لا تُحل بالاستعراض العسكري، وأن البحث عن نصرٍ وهمي في هرمز، تحت يافطات “الحرية” و”الإنسانية”، لن يغيّر حقيقة واحدة: أن موازين القوة لم تعد كما كانت، وأن زمنَ التفرُّدِ قد انقضى.

قد يعجبك ايضا