تآمر أمريكي على الوحدة

وديع العبسي

 

المؤلم أنه لم يعد لليمنيين أن يحيوا ذكرى إعادة تحقيق الوحدة بوزنها وحجمها وقيمتها، في ظل هذا الشتات الذي تتربع عليه تخطيطاً وتنفيذاً الدولة المارقة أمريكا.
استسلمت النخب لكذبة النموذج الأمريكي فذابت شخصيتها في هذا النموذج الشيطاني بطبعه ومنطلقاته فما عادت نظرتها للأمور تختلف عن ما ترسمه واشنطن.
وفي حال الوحدة اليمنية تسير أمريكا لهدفها في الهيمنة على القرار وتيئيس الشعب اليمني من القدرة على البحث عن أي مصادر قوة أو حتى الاستفادة من مواردهم وجغرافيتهم استراتيجية، ولذلك لا يعنيها وحدتهم، بقدر اهتمامها بصنع شكل من النظام الاستحواذي يتماشى مع مخططها.
وأن يكون اليمن تحت الهيمنة الأمريكية، فهذه مسألة لها أهميتها القصوى للولايات المتحدة، فذلك من جهة يأتي في سياق إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الصهيونية، ومن جهة ثانية يصب في مصلحة تأمين كيان الاحتلال الإسرائيلي، ووضعه في مرتبة الأكثر قوة والأكثر ترويع وإرهاب للشعوب.
وتذهب رؤية العدو الصهيوأمريكي إلى خلق بلد ضعيف منقسم، يعيش فيه المجتمع أزمات ومعاناة مستدامة، على طريق تهيئة مناخات فرض هذه الرؤية، لهذا لا يعني هؤلاء الشرذمة وحدة البلد في شيء.
تعيش أمريكا اتحادا مؤلفا من خمسين ولاية، وهي تعي وتدرك أن قوتها هي من اتحادها الذي تحتفل به كل عام، لذلك فان يمنا موحدا يعني بروز قوة ستكون حتما مزعجة لمشاريعها الاستعمارية في الشرق الأوسط.
وتزداد المخاوف من الوحدة اليمنية، عقب ما قدمته القوات المسلحة اليمنية من بأس واقتدار في معركة «الفتح الموعود والجهاد المقدس» الإسنادية للشعب الفلسطيني في غزة ومقاومتها.
إذ نجحت القوات اليمنية في هذه المرحلة في مواجهة الأعداء الحقيقيين بصورة مباشرة، وخلال وقت وجيز بإعياء واشنطن التي عاشت 93% من عمرها وهي تشن الحروب ضد الأمم والشعوب من أجل فرض الهيمنة ونهب الموارد، والمفروض أنها اكتسبت الخبرة القتالية واستخلصت ماهية احتياجاتها من السلاح الرادع، إلا أنها بدت على غير هالتها الإعلامية.
لهذه وحدة اليمن تمثل مصدر خوف للدولة الأمريكية؛ فوحدة الجيش ستزيد من قوة البلد ما قد تجعله مركز ثُقل المنطقة.
لذلك ستبقى واشنطن تحاول النخر في مقومات الوحدة كي تنهار بشكل تلقائي. ولأن الأمر يبدو معقدا ومن غير السهل أن تصل إلى هذا الهدف فإنها ستظل تحافظ على أسباب الشقاق بين اليمنيين، ولن تصل بالمشكلة إلى حل إلا إذا استطاعت فرض وحدة ترضخ لرؤيتها في ما تسميه «شرق أوسط جديد».
وعلى ذلك أيضا ستبقى احتفالات اليمنيين بذكرى إعادة الوحدة باهتة جدا، حفل خطابي، وندوة تتسم بالخمول، تناقش واقع المنجز الوحدوي ومستقبله، وقياس امر التمسك بها بمستوى الاحتفال بذكرى تحقيقها.
الوحدة اليمنية اليوم للأسف الشديد، ليست في الوضع الذي يهيء من الاهتمام بإحياء المناسبة وتعزيز قيمتها كمنجز وطني عالي القيمة، ورسم خطوط لمستقبل أفضل يعزز من هذه القيمة، إذ تعيش تحديات كثيرة وتتجاذبها مطامع إقليمية ودولية وأهداف تسلب أبناء البلد كل شيء حتى الاستقرار على أرضهم.
مع ذلك تبقى الوحدة اليمنية مطلبا طبيعيا لأمة شتتها الاستعمار «التافه»، الذي يحاول اليوم العودة من بوابة عناوين خادعة حسب ما ظهر خلال عقد من الزمن وتتزعمه الدولة المارقة أمريكا بلا منازع.
الوحدة وإن كانت تعاني اليوم هذا التقسيم الاستعماري الجديد باحتلال المحافظات الجنوبية، لا شك أبدا بأنها باقية في نفوس اليمنيين، وإن أثقلوا هذه النفوس بحمل تبعات أي مواقف، ومترسخة كمصير طبيعي يدرك اليمنيين أنه لا حياة وانفتاح على المستقبل إلا بها.

قد يعجبك ايضا