كيف صاغ “طوفان الأقصى” معادلة الردع الإيراني الجديد؟

د/ نجيبة مطهر

 

لا يمكن قراءة المشهد الراهن والعدوان الأمريكي-الإسرائيلي الأخير على الجمهورية الإسلامية في إيران باعتباره حدثاً منفصلاً أو معزولاً؛ بل هو الامتداد الجيوسياسي الأهم والمباشر للملحمة التي انطلقت من غزة في السابع من أكتوبر، وذروة المواجهة الشاملة بين مشروعي الهيمنة والاستقلال في المنطقة.

إذا كان “طوفان الأقصى” هو الشرارة التي حطمت أسطورة الردع الصهيوني، فإن صمود طهران في هذه المواجهة هو المحطة التي ثبتت معادلة “عصر ما بعد أمريكا”.

أولاً: تفكيك “الاستفراد” وسقوط استراتيجية الأخطبوط

منذ انطلاق الطوفان، كان الهدف الإستراتيجي لواشنطن وتل أبيب هو استعادة قوة الردع عبر الاستفراد بكل جبهة على حدة (غزة أولاً، ثم محاولة الاستفراد بلبنان).

وحدة الساحات: عندما فشلت هذه الإستراتيجية بفضل ترابط جبهات المحور، أدرك الكيان الصهيوني وحاميه الأمريكي أن “العقل المدبر” والركيزة الأساسية لهذا الصمود هي طهران؛ فجاء العدوان كمحاولة يائسة لضرب “رأس المحور” تعويضاً عن العجز الميداني في غزة ولبنان.

سقوط الأقنعة: قبل الطوفان، قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية (إستراتيجية الأخطبوط) على ضرب حلفاء إيران دون مواجهة طهران مباشرة. لكن “طوفان الأقصى” قلب الطاولة، ودفع إيران للرد المباشر بضربات صاروخية تاريخية في عمق الكيان (الوعد الصادق)، ليتحول الصراع من “حرب ظل” إلى مواجهة كسر عظم علنية ومباشرة بين الأصيلين.

ثانياً: إيران تفرض قواعد اللعبة الجديدة

لم تعد المواجهة الحالية مجرد جولة تفاوضية معتادة، بل تحولت إلى وثيقة تراجع استراتيجي تسطرها الولايات المتحدة مجبرة أمام “استراتيجية النَفَس الطويل” الإيرانية، والتي تبلورت في نقاط ثلاث:

الأمر الواقع النووي والردعي: تحولت الـ 460 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيص (بنسبة 60%) إلى ورقة ضغط منحت إيران موقع “الدولة على العتبة النووية واقعياً”. كما فُرضت الترسانة الصاروخية (الفرط صوتية) وسلاح المسيّرات كحق أمر واقع وأداة لفرض الشروط وليس ملفاً للتفاوض.

العناد في معركة لبنان: تجسد الانكسار الأمريكي في التعاطي مع الملف اللبناني؛ فحين رفعت طهران شعار “لبنان أولاً وقبل كل شيء” واشترطت ربط التهدئة بحماية مصالح المقاومة هناك، تراجعت واشنطن عن لغتها الاستعلائية معلنة عدم التدخل المباشر، وهو اعتراف ضمني بالعجز.

التراجع عن الثوابت الأمريكية: سقطت الخطوط الحمراء الأمريكية؛ حيث تنازلت واشنطن عن شروط “تعديل السلوك الإيراني” أو “تفكيك شبكة الحلفاء”، وتخلت عن أوهام “تصفير الصادرات النفطية” أمام البدائل الاقتصادية التي خلقتها طهران مع المعسكر الشرقي (روسيا والصين).

ثالثاً: الجبهة الداخلية.. تفوق الإرادة على القوة المادية

عكست الجبهات الداخلية الفارق الشاسع بين غطرسة “القوة المادية” وعمق “قوة الإرادة”:

الداخل الأمريكي المتآكل: واجهت إدارة ترامب مأزقاً شعبياً حاداً مع رفض 70 % من الرأي العام للحروب، تزامناً مع أزمة تضخم وارتفاع أسعار الوقود التي كبلت الإدارة سياسياً عشية انتخابات الكونغرس النصفية.

الداخل الإيراني المتماسك: أظهرت إيران مرونة اقتصادية استثنائية تجلت في رفع الرواتب والأجور بنسبة 110% لامتصاص التضخم، مدعومة بقفزة تاريخية في تصدير النفط الخام، مما ضمن تمويل الآلة العسكرية وحصّن الجبهة الشعبية.

رابعاً: عبقرية توزيع الأدوار (اليمن نموذجاً)

أثار عدم إدراج تفاصيل “إغلاق مضيق باب المندب” في بعض بنود التهدئة السياسية تساؤلات البعض، لكن التفكيك الاستراتيجي يثبت أن اليمن لم يخسر، بل خرج كأحد أكبر الرابحين بفضل التكامل مع طهران:

تحقيق الهدف المشروط: أعلن اليمن منذ اليوم الأول أن عملياته مشروطة بوقف العدوان على غزة ولبنان. وبمجرد الرضوخ الأمريكي-الإسرائيلي وتثبيت وقف إطلاق النار، يكون اليمن قد حقق هدفه بالكامل، وظهر بمظهر “القوة المبدئية الملتزمة” لا كمجموعة قراصنة.

اليمن لم يكن بحاجة لبند مكتوب؛ فالعالم بات يعلم أن صنعاء تمتلك الصواريخ الفرط صوتية القادرة على إغلاق الممر المائي في أي لحظة. وفشل عملية “حارس الازدهار” الأمريكية هو أكبر صك اعتراف بالسيادة البحرية اليمنية.

التكامل بين هرمز وباب المندب: إن تثبيت الحق الإداري والسيادي المشترك لإيران وعُمان في مضيق هرمز يعطي المحور “مفتاح الطاقة العالمي”. وفي المقابل، فإن بقاء ملف باب المندب خارج القيود المكتوبة يمنح اليمن مرونة هائلة، لتظل يده على “الزناد” كـورقة مستورة ومصلتة فوق رأس الغرب إذا نكث بالاتفاق.

الاعتراف الدولي بالشرعية: واشنطن التي كانت تصنف القوى في صنعاء كـ “جماعة معزولة”، اضطرت للتعامل مع ارتدادات ضرباتها، وباتت عواصم العالم تخطب ود صنعاء لتأمين عبور سفنها، مما حجز لليمن مقعداً ثابتاً كقوة إقليمية صاعدة.

ولادة “الشرق الأوسط الجديد” بنكهة المقاومة إن وقف إطلاق النار المرتقب لا يمثل “تسوية أزمة”، بل هو شهادة ميلاد لنظام إقليمي جديد. بمجرد أن تصمت المدافع، سيتجلى واقع جيوسياسي صاغته إيران وحلفاؤها بالنقاط الاستراتيجية؛ لحظة التوقيع ستفجر الأزمات المؤجلة في معسكر الخصوم: في واشنطن سيسأل الشارع ترامب عن كلفة الرضوخ لشروط طهران، وفي تل أبيب ستبدأ تصفية الحسابات والاتهامات بالفشل الاستراتيجي الذي يعصف بمستقبل نتنياهو.

لقد انتهى العصر الأمريكي القائم على لغة البوارج والعقوبات. وتتربع إيران اليوم كـ “قطب إقليمي أوحد”، ممسكةً بشرايين الطاقة العالمية، مستندة إلى عمق نووي وعسكري، ومحاطة بحلفاء أثبتوا في غزة، ولبنان، واليمن، والعراق أن المستقبل يصاغ بالإرادة لا بالغطرسة.

 

مستشار مكتب رئاسة الجمهورية صنعاء

قد يعجبك ايضا