في صمت جبال عسير الشاهقة، وبين شِعاب تنومة التي ما تزال ذرات ترابها تحتفظ بِسرٍّ مروع، ترقد حكايةٌ لم يكتبها المؤرخون بمداد الحبر، بل كُتبت بدموع اليتامى ودماء الحجيج العزل.
هي ليست مُجَـرّد واقعة عابرة في سجلات الزمن، بقدر ما هي كربلاء يمانية تجسدت فيها أبشع صور الغدر حين يلتقي الحقد الأعمى بقداسة المنسك.
لم يكن زادهم سوى الإحرام الأبيض، وقلوبٌ ترفرف شوقًا لتقبيل أستار الكعبة.
أكثر من ثلاثة آلاف حاج يمني، قطعوا الفيافي والقفار، تلهج ألسنتُهم بـ لبيك اللهم لبيك، غير مدركين أن هناك من يتربص بهذه التلبية برصاص الغدر.
في عام 1341 للهجرة، لم تكن تنومة ساحة حرب، ولم يكن الحجيج جيشًا غازيًا؛ فقد
كانوا وفدَ الله الذي استباحت دماءَه نبالُ الفكر المتطرف.
هناك، حَيثُ اختلط بياض الإحرام بحمرة القاني.
سقط الشيخ المُسِنُّ بجوار الشاب الطامح، لا لشيء إلا لأنهم مروا في طريقٍ ظنه القَتَلَةُ ملكية خَاصَّة لأيديولوجيتهم الإقصائية.
إن القراءةَ العميقةَ لمجزرة تنومة تتجاوزُ فكرةَ الخطأ العسكري أَو سوء الفهم، فهي تكشفُ عن ملامح نظام نبتت جذوره في حاضنة التوازنات الدولية آنذاك.
لم يكن النظام السعوديّ الناشئ حينها يتحَرّك بمعزل عن مباركة بريطانية، كانت تسعى لزرع كيان يمزق النسيج الوجداني للأُمَّـة.
قبل أن تنطلق الرصاصة، انطلقت الفتوى التي استباحت الآخر وصنفت ضيوف الرحمن مشركين تجوز دماؤهم.
هذا الفكر الوهَّـابي التكفيري كان، وما يزال، هو المحرك الأَسَاسي لكل قطرة دم تُسفك في غير موضعها.
من تنومة إلى اليوم: المأساة تعيد إنتاج نفسها
ليست تنومة مُجَـرّد ذكرى لبكائية قديمة، بل هي المرآة التي نرى فيها واقع اليمن اليوم.
العقلية التي حاصرت الحجيج في الشِّعاب هي ذاتُ العقلية التي تفرض الحصار اليوم على الملايين من أبناء الشعب اليمني.
وحدة الأدوات: الأمس كانت البنادق التقليدية، واليوم هي الطائرات والمدفعية، لكن الإصبع الذي يضغط على الزناد يحرّكه نفسُ الحقد التاريخي.
الارتهان للمشروع الصهيوني-الأمريكي: من المفارقات الصارخة أن النظامَ الذي استأسد على الحجيج العزل، هو نفسُه الذي يفتح أبوابه ومقدراته لخدمة أجندات تمزيق المنطقة، طاعنًا للقضية الفلسطينية في صميمها.
نداء الذاكرة: كي لا يغسل المطر الدم
إن محاولةَ طمس تنومة من كتب التاريخ ليست إلا جريمة أُخرى تهدف إلى تجهيل الأجيال بهُوية قاتلهم الحقيقي.
الشعوب التي تنسى دماءَها، تفتح البابَ لجلادها ليعودَ مرة أُخرى بزيٍّ جديد.
يجب أن تتحوّل تنومة إلى مادة حية في الوعي الجمعي؛ مِن أجلِ الإدراك:
إدراك أن الدم اليمني ليس رخيصًا ولن يسقط بالتقادم.
إدراك أن توظيف الحرمَين لخدمة أهداف سياسية هو الخطر الأكبر على الإسلام.
إدراك أن الصمود اليماني اليوم هو الرد التاريخي المزلزل على غدر الأمس.
ستظل تنومة شاهدةً على أن آل سعود لم يكونوا يومًا خدامًا للحرمين إلا بالاسم، بينما أفعالهم تحكي قصةً أُخرى من الارتهان والدم.
واليوم، واليمن يسطّر ملاحم الكرامة، تبتسم أرواحُ شهداء تنومة؛ لأن دماءهم أزهرت جيلًا يعرف عدوه جيِّدًا، ولا ينحني إلا للخالق الذي قصدوه في رحلتهم الأخيرة.
إن التاريخ قد يغفو، لكنه لا يموت..
وتنومة هي اليقظة التي لن تنطفئ.
