ما الذي يعنيه كشف الأجهزة الأمنية لأساليب التجنيد وجمع المعلومات التي تعتمدها أجهزة الاستخبارات المعادية في اليمن؟

الثورة/  محمد الروحاني
يُعدّ ما حققته الأجهزة الأمنية في صنعاء من إنجاز أمني، تمثل في القبض على عدد من العناصر التي عملت بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات العدو الإسرائيلي، والذي وفر مادة استخباراتية مهمة، أسهمت في كشف أساليب التجنيد وآليات جمع المعلومات التي تعتمدها تلك الأجهزة، تطوراً نوعياً في مسار العمل الأمني، وخطوة مهمة في تعزيز حماية الجبهة الداخلية وإحباط محاولات الاختراق.
ففي مطلع شهر أبريل، أعلن جهاز الأمن والمخابرات عن تنفيذ عملية أمنية دقيقة، أسفرت عن إلقاء القبض على عدد من العناصر المرتبطة مباشرة بأجهزة استخبارات العدو الإسرائيلي، وعلى رأسها جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان) وجهاز الاستخبارات والمهمات الخاصة (الموساد)، إضافة إلى جهات استخباراتية أخرى.
ووفقاً لما تم الإعلان عنه، فقد تورطت هذه العناصر في تنفيذ أعمال تجسسية متعددة، شملت تزويد العدو بمعلومات عسكرية وأمنية حساسة، وإحداثيات دقيقة لمواقع استراتيجية، إضافة إلى بيانات تفصيلية عن منشآت اقتصادية وخدمية ذات طابع حيوي.
وقد أظهرت التحقيقات أن تلك الشبكات استخدمت أدوات رقمية متقدمة وبرامج تجسسية، إلى جانب تطبيقات تواصل مشفرة، جرى توظيفها في نقل المعلومات وإدارة الاتصال بشكل سري ومنهجي.
ويعكس هذا النمط مستوى متقدماً من التنظيم، يعتمد على التخفي والتدرج في جمع البيانات، واختبار المستهدفين على مراحل قبل الوصول إلى المعلومات الأكثر حساسية.
ولا يقتصر هذا الإنجاز على إحباط نشاط تجسسي فحسب، بل يمتد إلى كشف جانب مهم من أساليب عمل أجهزة استخبارات العدو الإسرائيلي، سواء في التجنيد أو جمع المعلومات، استناداً إلى إفادات العناصر المضبوطة، التي قدمت تفاصيل دقيقة حول آليات الاستدراج والتواصل وإدارة العمليات الاستخباراتية المعقدة.
وفي هذا السياق، أصدرت الأجهزة الأمنية، بياناً توضيحياً، كشفت فيه للرأي العام أبرز الأساليب التي يعتمدها العدو في عمليات التجنيد، والتي تبدأ عادة عبر الإغراءات المالية المقدمة من خلال الإعلانات الممولة على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وأحياناً عبر ألعاب إلكترونية، حيث يتم إيهام المستهدفين بأن التواصل مع جهات معينة يضمن لهم مستقبلاً آمناً أو فرصاً مالية مغرية، قبل الانتقال التدريجي إلى طلب معلومات ذات طابع أمني أو حساس.
كما تشمل الأساليب استدراج الباحثين عن فرص عمل عبر إعلانات وشركات وهمية، يتم من خلالها جمع السير الذاتية وإخضاع المتقدمين لسلسلة من الاختبارات المتدرجة التي تنتهي بطلب معلومات تتعلق بالجوانب الأمنية أو الاقتصادية أو العسكرية. ويضاف إلى ذلك استغلال بعض الميول الفكرية أو الاجتماعية ضمن ما يُعرف بالحرب الناعمة، بهدف التأثير على وعي الأفراد وإعادة تشكيل توجهاتهم تدريجياً بما يخدم أجندات العدو.
ومن بين الأساليب التي جرى الكشف عنها أيضاً، أسلوب الابتزاز الأخلاقي، حيث يتم استدراج بعض الأفراد إلى مواقف خاصة يتم استغلالها لاحقاً للضغط عليهم لتنفيذ مهام استخباراتية، تحت التهديد بنشر معلومات أو مواد شخصية. كما يتم التواصل مع بعض المستهدفين بشكل مباشر أو عبر وسطاء، باستخدام أساليب نفسية تعتمد على التخويف والإيحاء بمعرفة تفاصيل دقيقة عن حياتهم بهدف كسر مقاومتهم ودفعهم للتعاون.
إضافة إلى ذلك، لجأ العدو إلى استخدام مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، يتم تدريب بعضهم على اللهجات المحلية، لإقامة علاقات اجتماعية طبيعية مع المواطنين تحت عناوين ثقافية أو اجتماعية، قبل الانتقال لاحقاً إلى طلب معلومات حساسة تتعلق بمواقع أو شخصيات أو تحركات، مقابل إغراءات مالية أو امتيازات مختلفة.
أما على صعيد جمع المعلومات، فتتنوع الوسائل بين استبيانات إلكترونية ومسوحات ميدانية، تبدو في ظاهرها ذات طابع خدمي أو اقتصادي، لكنها تُستخدم لاحقاً في بناء قواعد بيانات استخباراتية دقيقة. كما يتم توظيف العلاقات الشخصية عبر الإنترنت، وإجراء مقابلات تحت غطاء إعلامي أو إنساني، إضافة إلى استدراج بعض الأفراد للسفر إلى الخارج حيث يتم إخضاعهم لعمليات تجنيد مباشرة أو غير مباشرة.
وتكشف هذه المعطيات أن أجهزة استخبارات العدو الإسرائيلي، اعتمدت على أساليب معقدة ومتطورة، تتسم بدرجة عالية من التخفي والتدرج، ما يجعل اكتشافها أو تتبعها أمراً شديد الصعوبة حتى في الظروف الطبيعية، نظراً لاعتمادها على الدمج بين التقنيات الرقمية الحديثة والهندسة النفسية والاجتماعية للمستهدفين، بما يخلق بيئة تجنيد غير مباشرة يصعب تمييزها في مراحلها الأولى.
وتكمن خطورة هذه المنظومة، في أنها تعمل عبر طبقات متعددة من الوسائط الرقمية والهويات الوهمية والواجهات الاجتماعية، مع تفكيك المهام إلى مراحل صغيرة متتابعة، بما يصعّب عملية الرصد حتى على أجهزة استخبارات تمتلك قدرات متقدمة على المستوى الدولي، نتيجة اعتمادها على التمويه السلوكي والتضليل المعلوماتي وتجزئة الأدوار بين أكثر من مسار تشغيلي.
إلا أن نجاح الأجهزة الأمنية في صنعاء في كشف هذا النمط المعقد من العمل الاستخباراتي، يعكس تطوراً لافتاً في قدراتها التحليلية والأمنية، وقدرتها على تفكيك شبكات تعمل بأساليب غير تقليدية كانت تُعد من أكثر الأساليب تعقيداً وصعوبة في الكشف والمتابعة.
ويرى مراقبون أن هذا الإنجاز يشكل تحولاً مهماً في ميزان المواجهة الاستخباراتية، إذ لم يعد نشاط العدو محاطاً بالغموض كما في السابق، بل أصبح أكثر عرضة للرصد والتفكيك، ما يحدّ من فاعلية أدواته ويقلص من قدرته على اختراق المجتمع أو بناء شبكات جديدة.
كما يُتوقع أن يسهم نشر هذه التفاصيل في رفع مستوى الوعي المجتمعي وتعزيز المناعة الداخلية، من خلال تمكين المواطنين من التعرف على أساليب الاستدراج الحديثة، خصوصاً في الفضاء الرقمي الذي أصبح الساحة الأساسية لنشاط الأجهزة المعادية.
وفي ختام البيان، أكدت الأجهزة الأمنية استمرارها في أداء مهامها لحماية الجبهة الداخلية والتصدي لأي محاولات اختراق، مشيدةً بوعي المواطنين وتعاونهم في إفشال العديد من المخططات، ومجددة دعوتها للإبلاغ عن أي نشاطات مشبوهة، بما يعزز منظومة الأمن الوطني ويغلق المنافذ أمام محاولات الاختراق المعادية.

قد يعجبك ايضا