الكتابات الفكرية والسياسية والإنسانية للأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن حبتور «موسوعة وطنية وشهادة عصر وإنجاز توثيقي وفكري فريد» (1)
سامي عطا
اعتذار لا بد منه
بكل اعتذار وشوق.. نبدأ رحلة استكشاف عالم الدكتور عبدالعزيز بن حبتور الفكري والسياسي، وذلك من خلال عدد من كتبه التي أهداني إياها قبل عامين تقريباً. كانت لي مع الأستاذ الدكتور عبدالعزيز صالح بن حبتور — رئيس جامعة عدن الأسبق، ومحافظ عدن الأسبق، ورئيس الوزراء السابق، وعضو المجلس السياسي الأعلى حالياً — لقاءات عديدة، أهداني خلالها مجموعة من أعماله التوثيقية الضخمة، وفي مقدمتها كتاباه “كتابات فكرية وسياسية” بجزأيه الأول والثاني، وكتاب آخر أعده كموسوعة فريدة تحت عنوان “عدن .. قطوف من الوفاء للمكان والإنسان”.
تلك الكتب لم تكن مجرد أوراق بين دفتين، بل كانت أمانة ثقيلة، وتاريخاً ينتظر من يقرأه، وصرخة مدينة ووطن تريد من يسمعها؛ ولذلك شعرت بالحرج كلما مرت الأيام والشهور، وكنت أتأخر في الوفاء بحقها وحق كاتبها.
لم يكن التأخير نسياناً أو تقصيراً متعمداً، بل كان لثقل المسؤولية، وللشعور بأن الحديث عن كتب دكتورنا العزيز بن حبتور لا بد أن يأخذ حقها من الإعداد والترتيب، وأن يُفتتح بمقال اعتذار صادق قبل أي شيء.
واليوم، وبعد عامين، أضع بين يدي القراء الكرام بداية سلسلة مقالات مخصصة لاستكشاف هذا الإرث العظيم. سأحاول فيها أن أرافق القارئ في جولة بين فصول الكتاب، أقرأ له عدن القديمة والحديثة، وأتوقف عند شخصياتها الخالدة، وأبكي معه شهداءها، وأعجب من بلاغة كاتبه وقدرته على توثيق لحظة الانهيار وبنفس الحرف الذي وثق به لحظة مجد وصمود وبسالة شعبنا.
إلى الصديق والزميل العزيز الدكتور عبدالعزيز بن حبتور:
أكتب هذا الاستهلال وأنا أشعر بالخجل من التأخير، ومن لحظة إهدائه إياي مجموعة كتبه ضرورة قراءتها والكتابة عنها. واليوم أشعر بالفخر أنني سأكون جسراً بين قراء اليوم وهذه النفائس النادرة. أعتذر من أعماقي عن عامين من الصمت، وأعدك — وأعد القراء — أن هذا المقال هو مجرد مدخل لسلسلة من القراءات المتعمقة التي سأحاول من خلالها تسليط الضوء عليها وإبراز قيمتها.
فليكن هذا النص اعتذاراً مسبقاً عن كل تأخير، وتعهداً بأن الأهم في الكتب ليس سرعة قراءتها، بل جودة مناقشتها. وها أنا أبدأ.
اللقاء القادم مع الفصل الأول: “عدن في سفر التاريخ” — حيث يبدأ السحر.
بين دفتي هذا السفر الضخم، الذي يتجاوز سبعمائة وخمسين صفحة من العطاء الفكري المتقد، تطل علينا تجربة استثنائية في تاريخ الكتابة السياسية والإنسانية اليمنية. إنه الجزء الأول من “الكتابات الفكرية والسياسية والإنسانية” للأستاذ الدكتور عبدالعزيز صالح بن حبتور، رئيس جامعة عدن الأسبق، ومحافظ عدن الأسبق، ورئيس وزراء حكومة الإنقاذ الوطني.
عملٌ جمع شتات مقالاتٍ تناثرت على مدى أكثر من ثلاثين عاماً في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، اجتهدت مؤسسة دار بن حبتور للعلوم والثقافة والتوثيق في جمعه وتنقيحه وإخراجه بهذه الحلة الأنيقة، ليكون وثيقة حية لمرحلة عصيبة من تاريخ اليمن الحديث.
بلاغة مفردة وقوة التعبير
ما يلفت النظر منذ الصفحات الأولى هو التمكن اللغوي الفائق للكاتب. يجمع الدكتور بن حبتور بين فصاحة الأكاديمي المحنك، وعاطفة السياسي المناضل، وصدق الإنسان المعايش. إنه يكتب بلغة تأسر القارئ، تستوقفه عند كل عبارة، وتدفعه للتأمل العميق في ما يقرأ.
تجد في أسلوب الدكتور عبدالعزيز بن حبتور مزيجاً عجيباً يجمع بين:
· الدقة الأكاديمية: فهو لا يترك حقيقة دون توثيق، ولا رأياً دون برهان. يستشهد بالتقارير الدولية، ويرصد التواريخ والأرقام بدقة المختص.
· والجرأة السياسية: يصف الأمور بمسمياتها، لا يُحمل القارئ على تأويل. يقول “عدوان” حيث يتحدث الآخرون عن “تدخل”، ويكشف “احتلالاً” حيث يخفي آخرون حقيقة ما يجري.
· والنزعة الإنسانية: عندما يكتب عن شهداء العدوان، أو يبكي مثقفاً رحل، أو يستذكر قامة علمية أفناها الزمن، تراه يتجرع ألمه، وتقرأ الحسرة في سطوره.
يقول في إحدى مقالاته المبكرة: “هذا الحدث ليس سرداً خيالياً لمشهد من أقسى المشاهد التراجيدية نادرة الحدوث في عدن، بل هو نتاج مرضٍ موغل في النفس غرسه منظرو ومروّجو (الحقد والكراهية والبغضاء) زرعوه في أرواح حيوانات آدمية شريرة لم تعرف معنى لقدسية الإنسان حياً وميتاً”. هذه العبارة وحدها تختزل بلاغة الكاتب: صورة حية، ولغة نابضة، وحساً أخلاقياً عالياً.
توثيق لحقبة مليئة بالتحديات
يمتد الزمن الذي يغطيه هذا الجزء من عام 2015 إلى عام 2023. سنواتٌ عجاف عاشتها اليمن، وسجلها الكاتب وهو في قلب الأحداث. تارةً وهو محافظ عدن يحاول إنقاذ المدينة من الفوضى، وتارةً رئيس جامعة يحمي صروح العلم من العبث، وتارةً رئيس حكومة يخطط لمقاومة العدوان.
يقرأ القارئ في هذا الكتاب تفاصيل دقيقة عن:
· جريمة تهجير الإسماعيليين من عدن، وكيف تحولت مدينة التسامح إلى ساحة تصفية.
· مجزرة دار المسنين، وكيف سقط الرهبان والمسنون تحت رصاص الغدر.
· كيف تحالفت دول العدوان مع تنظيمي القاعدة وداعش في جبهات القتال، بأدلة وصور.
· انتهاكات “الحزام الأمني” والمجلس الانتقالي بحق أبناء عدن.
· الصراع السعودي – الإماراتي على النفوذ في الجنوب، وكيف انعكس اقتتالاً بين “الشرعية” و”الانتقالي”.
إنه ليس مجرد رأي، بل توثيق بالصوت والصورة والتاريخ. الكاتب كان هناك، رأى بنفسه، وكتب مما رأى وعايش.
الرؤية الوطنية والصدق الفكري
ما يميز الدكتور بن حبتور عن كثير من الكتاب السياسيين في زمن الحرب، أنه لا يكتب بدافع الكراهية الشخصية، بل ينطلق من رؤية وطنية جامعة. تجده ينتقد خصومه الفكريين، لكنه يقول في مقدمته: “إنني أسعد كثيراً بقراءة كتابات (خصومي) الفكريين من مثقفين وإعلاميين وأكاديميين وحتى السياسيين، منهم الذين يناقضون قناعاتي وكتاباتي وأفكاري، لكن.. بشرط أن تحكمنا الموضوعية العلمية”.
هذا هو جوهر الأكاديمي الحقيقي: لا يخاف النقد، بل يدعو إليه، ويحترمه، طالما بقي في إطار العقل والحجة.
كما يتجلى صدقه الفكري في مواقفه النقدية حتى ممن اعتبرهم حلفاء في المقاومة. إذ يقر بأن حركة أنصار الله (الحوثيين) ارتكبت “خطأ كبيراً” بالنزول العسكري إلى عدن دون مراعاة للجوانب اللوجستية والحاضن الاجتماعي (ص63). إنها شجاعة نادرة في زمن الاستقطاب الحاد.
بين السياسي والإنساني
لا يغفل الكاتب الجانب الإنساني في كتاباته. خصص الباب الثاني (الصفحات 471-570) للمقالات التأبينية (المراثي)، يندب فيها كوكبة من العلماء والأدباء والسياسيين الذين رحلوا أثناء الحرب. تقرأ في رثائه للأستاذ “طه أحمد غانم”، وللدكتور “عبدالكريم الإرياني”، وللفنان “محمد مرشد ناجي”، فتجد نفسك تبكي معه، وتأسى لفقدان أولئك القامات، وكأنهم ماتوا أمس.
يقول في رثاء الإعلامي “عبدالله العديني”: “البارحة أمسَت عدن بدون صديقي العزيز/ عبدالله محمد علي العديني «أبا أيمن»، الذي توارى تحت تربتها الطاهرة”. بهذه البساطة والأسى، يرسم الكاتب لوحة حزينة لمدينة تفقد رجالها تلو رجالها.
مقدمات الكتب: شهادة على عصر علمي
الباب الثالث (الصفحات 571-684) هو كنز حقيقي للباحثين في تاريخ التعليم العالي في اليمن. يضم مقدمات لأكثر من ثلاثين كتاباً ودراسة ودليلاً أكاديمياً، أغلبها صدر عن جامعة عدن خلال فترة قيادة المؤلف لها.
في هذه المقدمات، يطل علينا الدكتور بن حبتور كأكاديمي من الطراز الرفيع: دقيق، موضوعي، حريص على توثيق الإنجازات، ومشجع على البحث العلمي. هي شهادة حية على عصر كانت فيه جامعة عدن منارة علمية في الجزيرة العربية، قبل أن تحرقها حروب الأعراب.
استخدام الكاتب للغة العربية ملفت. فهو لا يستعمل العبارات الركيكة أو المصطلحات الأجنبية المقحمة. بل يكتب عربية فصيحة، قريبة من لغة القرآن الكريم، غنية بالمفردات، قادرة على التعبير عن أعمق المشاعر وأدق الأفكار.
تجد عنده الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية في كل مقال تقريباً، ليس تبركاً، بل توظيفاً دقيقاً في سياق الحجة والبرهان. ويورد أشعاراً عربية أصيلة، من شعراء اليمن والعرب، تتناغم مع روح المقال.
يقول في مقال له بعنوان “صنعاء الحارض.. هي قبلة أحرار اليمن”: “صنعاء وأنت تعيش وتسكن بها وتتجول في أحيائها وأسواقها وكل مفاصلها، تذكرك وتحسسك بأنك جزء أصيل من تكوينها الديموغرافي، وأنك مكون أساسي من ثقافتها وهويتها”. بلاغة المكان تتجسد في بلاغة الكلمة.
خلاصة وتقييم
الجزء الأول من “الكتابات الفكرية” ليس مجرد كتاب. إنه مشروع وطني في التوثيق، وأمانة تاريخية في نقل صورة عما جرى في اليمن خلال عقد من الزمن. إنه صرخة مدوية في وجه الصمت العربي والدولي. وهو أيضاً اعتراف بالإنسان اليمني، بمعاناته، بصموده، بكفاحه المستميت من أجل الحرية والكرامة.
الكاتب عبدالعزيز بن حبتور يكتب بقلب الثائر، وعقل الأكاديمي، وضمير الإنسان. يكتب ليدوّن للحق، وليفضح الباطل، وليخلد ذكرى الضحايا الذين لا صوت لهم إلا أصوات من يكتب عنهم.
أنصح كل باحث، وصحفي، وسياسي، وأكاديمي، وكل من يهتم بالشأن اليمني والعربي، أن يقرأ هذا الكتاب. وأن يقرأه مراراً.
ولنختم بقول الكاتب الذي يختم به كل مقالاته تقريباً: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. صدق الله العظيم، وصدق الدكتور عبدالعزيز بن حبتور في توثيقه النزيه، ونقده الموضوعي، وفنه البلاغي الراقي.
ويتبع الجزء الثاني من كتاباته الفكرية والسياسية ومقالات قادمة عنه.
يتبع…
