من التفاوض المجزأ إلى الحزمة الإقليمية

سند الصيادي

 

تكشف التطورات الأخيرة في مسار التفاوض الإيراني-الأمريكي عن تحول استراتيجي جوهري في منهجية طهران يتجاوز فكرة “التفاوض على ملف واحد” نحو فرض “حزمة متكاملة” من الملفات المتشابكة بعد أن وضعت طهران الملف اللبناني في موقع متقدم وكجزء أساسي من مسار التفاوض لا يمكن فصله أو تجاوزه.

يعكس تعليق طهران لمسار التفاوض مع واشنطن على خلفية التهديدات الصهيونية بتوسيع العدوان على لبنان عقيدة راسخة للسياسة الخارجية الإيرانية، عنوانها أن وحدة الساحات تجاوز الشعار السياسي وبات إطاراً للعمل التفاوضي لا مجرد مناورة تكتيكية.

وهنا يجب فهم الدوافع والأسباب الموضوعية للبُعد الأكثر عمقاً في حديث إيران عن مفهوم أمنها القومي ليشمل ساحات إقليمية أخرى، فما يجري ليس طموحاً إيرانيا خاصاً أو حتى امتداداً أيديولوجياً، كما تُروّج بعض القراءات القاصرة أو المعادية، الأمر يأتي كاستجابة طبيعية وحتمية لطبيعة الخطر القائم.

حين يكون هناك مشروع هيمنة أمريكي-إسرائيلي لا يعترف بحدود السيادة ولا يميّز بين الساحات في استهدافه، فإنه يفرض واقعاً موضوعياً جديداً، وفي هذه الحالة يصبح الأمن القومي لأي دولة في مرمى هذا الاستهداف مشروطاً بأمن جيرانها وحلفائها، وهنا يلغى “الأمن القومي الوطني” لمصلحة “الأمن القومي الإقليمي”، ويتحول الدفاع عن لبنان أو فلسطين من مجرد دعم للحليف إلى تحصين للجبهة الأمامية في معركة دفاع مشتركة، تنصهر فيها الجبهات في بوتقة أمنية واحدة، تتجاوز كونها خياراً استراتيجياً إلى ضرورة وجودية.

وبقدر ما يعزز هذا الفعل من القوة التراكمية والتكاملية للمحور بشكل عام، فإنه يضع واشنطن والكيان الغاصب أمام معضلة كبيرة، ولطالما كان هذا الحلف التي يراهن على أن سياسة الفصل للجبهات البوابة الأسهل للاستفراد بكل جبهة على حدة، كما أنه وفي هذا المسار يزداد صعوبة المساعي الأمريكية في أحراز تسوية أو الوصول إلى تقدم مع إيران بخصوص ” الملف النووي ” وملفات أخرى، في ظل هذا التشابك، وبعد أن أصبح مسار التفاوض الجاري منصة لانتزاع انتصارات إقليمية تتجاوز إيران إلى حلفاكها.

إن ما تفعله طهران ترجمة استراتيجية لحقيقة ماثلة: أن المشروع التوسعي للعدو صنع لشعوب المنطقة “أمناً قومياً جمعياً” واحداً، لم يعد بوسع أي طرف في دائرة الاستهداف التملص منه أو التعامل معه بتجزئة.

وفي ظل هذه المعادلات الجديدة تتسع التباينات داخل صانع القرار الأمريكي، وحالة “الارتباك الاستراتيجي” ، خصوصًا مع بروز البعد الاقتصادي في روزنامة أوراق القوة الإيرانية ، ففيما تسعى واشنطن لخنق إيران اقتصادياً من خلال الحصار على مضيق هرمز تتداعى التأثيرات لتصل واشنطن أكثر من ارتداداتها على طهران، مع تضاعف تكاليف النقل عشرة أضعاف ، وما يخلقه ذلك من ضغوطاً على الاقتصاد العالمي الذي يمس الاقتصاد الأمريكي بطبيعة الحال ، فيما تأثيرات هذا الحصار تبدو أقل تأثيرا على إيران ، مع تنوع المسارات البديلة عبر بحر قزوين وروسيا والصين وباكستان ، وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية التي تعزز الموقف الإيراني، ناهيك عن تعالي الأصوات الأوروبية المطالبة بالضغط على واشنطن دليلا على أن تكلفة الحصار تتحملها أيضًا اقتصادات كبرى في الاتحاد الأوروبي.

تسير التطورات في اتجاه بلورة معادلة ردع جديدة، تتجاوز الردع العسكري المباشر إلى ردع تفاوضي واقتصادي متعدد المستويات، ويتحول الاقتصاد من نقطة ضعف إيرانية محتملة، إلى ورقة قوة متعددة الأبعاد، تمنح طهران قدرة على المناورة ومساحة أكبر للصمود في وجه الضغوط.

نجحت إيران في “إرباك حسابات واشنطن والكيان”، ليس فقط عبر قدراتها العسكرية، بل عبر استراتيجية تفاوضية متماسكة تمنع عزل أي ساحة، وتفرض حلاً إقليمياً شاملاً بدلاً من تسويات مجزأة، الأمر يتجاوز التنازلات التقنية التي ستقدمها أمريكا بشأن التخصيب أو العقوبات، إلى القبول بدور إقليمي لإيران على حدة وللمحور المقاوم بشكل عام.

من اليمن إلى إيران، من المندب إلى هرمز، أثبتت “وحدة الساحات” تأثيرها كعقيدة ردعٍ مادية فرضت توازناتٍ جديدة، أجبرت واشنطن و”تل أبيب” على إعادة الحسابات، وإعادة التقييم لنزوة التوسّع الجغرافي تحت وهم ” إسرائيل الكبرى “، ويبقى السؤال المفتوح: هل تملك الإدارة الأمريكية المقبلة الإرادة والقدرة على التعامل مع هذه المنظومة المتكاملة من أوراق القوة، أم أن سياسة إدارة الأزمات ستستمر في إنتاج مزيد من التنازلات التي تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط؟

 

 

قد يعجبك ايضا