الثورة نت/..
نص المحاضرة الرمضانية السابعة والعشرون لقائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي 28 رمضان 1447هـ 17 مارس 2026م:
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
في المحاضـــرة الماضيـــــة، تحدَّثنا في قصة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، عن وصوله إلى فرعون، وإبلاغه الرسالة، وإقامة الحُجَّة عليه، وما أثاره فرعون من الجدل، والنقاش، والتساؤلات، حول موضوع الربوبية، وموضوع الرسالة، وموضوع المعاد، كعناوين بارزة، فيما أبلغه به موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، مع إصراره على ما يحاول أن يدَّعيه لنفسه، وأن يبقى مستمراً عليه، من ادِّعاء الألوهية.
وما يدَّعيه فرعون من الألوهية، لا يعني أنه ينازع في أمر الخلق، مثلاً: يدَّعي لنفسه أنَّه هو الذي خلق السماوات والأرض، أو خلق الناس، أو خلق نفسه، أو خلق الجيل المعاصر له، الذين يمارس الطغيان تجاههم، أو أنَّ له دوراً في خلق السماوات، أو في الأرض… أو غير ذلك.
الطغاة- فرعون وغيره- هم يركِّزون في موضوع الألوهية على الطاعة المطلقة، على أن يمتلكوا من الناس طاعتهم المطلقة، وخضوعهم المطلق، وأن يكونوا هم- كطغاة- المنتهى في الأمر والنهي، وأن يتعامل الناس معهم في مستوى الخضوع والطاعة كعبيد، وأن يكون لهم- كذلك- التَّملُّك لكلِّ ما هو موجود من ثروات وإمكانات في بلدانهم، وتحت سيطرتهم، أو يسعون أيضاً لامتلاكه مِمَّا في أيدي الآخرين، وهذه الحالة هي الحالة التي لا ينبغي أن تكون إلَّا لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، الذي يملك الحق في الأمر والنهي المطلق، والطاعة المطلقة هو الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ لأنه الربّ، لأنه المالك، لأنه الإله الحق، الذي نأله إليه، ونرجع إليه، وهو يستحق منَّا العبادة، ويملك لنا ما نرجوه منه، وما نحتاجه إليه منه.
فيما يتعلَّق- مثلاً- بهذا الموضوع، عندما نأتي إلى قصة الرسل والأنبياء “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم”، في سيرهم بنا على هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في المسيرة الإيمانية، الأمر والنهي لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، حتَّى أنَّ الدور الذي يقوم به الأنبياء، ولهم علينا حق الطاعة، في إطار الطاعة لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، هو لأنهم يسيرون بنا على أساس هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وهكذا في المسيرة الإيمانية في امتدادها إلى أولياء الله، لا يدَّعون لأنفسهم الحق الشخصي الذاتي في مطلق الأمر والنهي، إنما في طاعة الله، في إطار طاعة الله، في السير على هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في الدعوة إلى الله.
أمَّا الطغاة فإنهم يجعلون من أنفسهم المنتهى في الأمر والنهي، وليس على أساس أن يسيروا بالناس على أساس هدى الله، على أساس طاعة الله، على أساس الحق، في ما يرضي الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ ولذلك فالحالة بالنسبة لهم هي حالة استعباد للناس؛ لأنهم يصادرون القيمة الإنسانية للإنسان، ويريدون أن يكونوا هم أنداداً من دون الله، وأن يصغي الناس لهم، ويطيعونهم في كل ما يشاءون ويريدون، مع أنَّهم يمارسون الطغيان، مفهوم الألوهية بالنسبة لهم، هو: ممارسة للعلو، والاستكبار، والطغيان، والإجرام، والاستغلال للناس.
أمَّا حينما نعود إلى ألوهية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، الذي هو الإله الحق، الذي يستحق العبادة وحده، ولا تحقُّ العبادة إلَّا له، فنجد أنَّ ألوهية الله وربوبيته لعباده، هي ربوبية وألوهية خير ورحمة، ونجد أنَّ الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” يفيض على عباده؛ لأنه غنيٌ عنهم، يكافئهم حتَّى فيما هو حقٌّ له عليهم في العبادة والطاعة، يأمرهم بما فيه خيرٌ لهم، ينهاهم عما هو شرٌ عليهم، ثم مع ذلك: يثيبهم، يكافئهم، يفيض عليهم من عطائه العظيم والواسع، في أنفسهم، وفي حياتهم، فالربوبية من الله والألوهية، ربوبية خير ورحمة، وعدل وحق.
أمَّا الطغاة فالألوهية عندهم هي: أن يمكِّنهم الناس من الاستغلال لهم، والاستحواذ على كلِّ ما بأيديهم، وكلِّ ما في الأرض، بما يخدمهم، وهم يمارسون الطغيان، ويمارسون الظلم، ويمارسون الإجرام بحق الناس؛ ولذلك فالحالة بالنسبة لهم هي حالة الطغيان.
أمَّا فيما يتعلَّق بألوهية الله لعباده، فهي ألوهية حق، ورحمة، وخير، وعدل، حتَّى الجزاء فيها هو جزاء قائم على العدل، حتَّى العقوبة فيها قائمة على أساس العدل والحق.
ولذلك فالمهم بالنسبة لفرعون هو هذه المسألة؛ ولهذا- مثلاً- يعترفون في مسألة الشرك بتعدُّد الآلهة الزائفة، ليست آلهة حقيقية، لكن من الأصنام والأشياء الأخرى التي لا يرونها منافسةً لهم في الأمر والنهي، في السيطرة والاستحواذ على الواقع.
فمثلاً: في زمن فرعون، كان هناك أيضاً أصنام أخرى معه، لكن يعتبر نفسه كبير الآلهة، أو يعتبر الألوهية مراتب معيَّنة، ولأن تلك الأصناف جمادات ليس لها أمر ولا نهي؛ فهو لا ينزعج منها؛ لكن فيما يتعلَّق بالإيمان بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والعبادة لله، والتَّوَجُّه إلى الله بالإقرار بالعبودية له، كان ينزعج، وكان يمنع حتَّى من ذكر اسم الله، وطبعاً يعني باللغة التي كانت معتمدةً، ليس المقصود لفظ الجلالة باللغة العربية، لكن ما يقابله في لغتهم، كان يمنع من ذلك، ويعاقب على الإيمان بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ويعتبر أنَّ اتِّخاذ إله غيره، في مقام الأمر والنهي، والربوبية، والعبادة، والطاعة، قضية ليست مقبولةً أبداً، يعاقب عليها، ويحاسب عليها.
موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” أقام البراهين والدلائل الواضحة، على أنَّ العبادة لا تحقُّ إلَّا لله وحده، فهو من له الكمال المطلق، وهو مدبِّر شؤون السماوات والأرض، وهو الذي يملك في عباده ومخلوقاته الحق المطلق في الطاعة المطلقة، والأمر، والنهي، والتدبير لشؤونهم وأحوالهم بالهداية والتشريع، وهذا هو جوهر الرسالة الإلهية، وهو أيضاً القضية الأساسية التي يحاربها الطغاة، ويحاربها الكافرون بمختلف مللهم، وأهوائهم، واتِّجاهاتهم، يحاربون مسألة أن يتَّجه الناس إلى الله بالطاعة المطلقة، والخضوع لأوامره ونواهيه، والسَّير في حياتهم على أساس هديه وتشريعه، هذه هي القضية الأساس التي يحاربها الكافرون في كلِّ زمن.
تحدَّثنا عن المعجزات مع البراهين، في الاستدلال التي قدَّمها نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، في المحاضرة الماضية، وكيف قدَّم المعجزات:
– معجزة العصا، وكانت معجزةً عظيمةً كبيرةً، معجزةً كبرى، من أعظم المعجزات، وفعلاً أثارت الخوف، والرعب، والصدمة، والمفاجأة الهائلة بالنسبة لفرعون وملائه.
ثم بعد ذلك، وبعد أن أعادها الله إلى عصا خشبية؛ لأنه عندما ألقى عصاه، أحياها الله، وجعلها ثعباناً حقيقياً، ثعباناً عظيماً، تسعى وتتحرَّك، وقد جعلها الله بالفعل ثعباناً عظيماً، ثم حينما أخذها موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، جعلها الله عصاً خشبيةً كحالها السابق، كمثل سيرتها الأولى.
– ثم عندما نزع يده (جناحه)، وأراهم إياها، فكانت بيضاء نورانية جميلة، في جمالٍ أخَّاذ، ومضيء، ومنير.
مع ذلك حاول فرعون التَّهَرُّب بعد هذه الحالة، والالتفاف على هذه المعجزات، في التأثير على ملئه الذين حوله، ومن معهم من أعوانه، بأن يدَّعي بأنَّ ذلك سحر، قال: [هذا سحر، وهذا الساحر عليم، لديه خبرة ومهارة عالية بالسحر].
ثم ما بعد ذلك طلب جولةً أخرى؛ ليستعد لها، يعني: اعتراف بأنه في حالة هزيمة، لكن يريد جولةً أخرى لِيُعِدّ لها العُدَّة، كما صوَّر المسألة ليواجه السحر بالسحر، كان في حالة اضطراب، وذعر، واندهاش مِمَّا حدث تجاه تلك المعجزات، وكذلك كان حال ملئه، واتَّفقوا معه على هذه الفكرة، بعد أن تشاوروا، {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}[الأعراف:110]، اتَّفقوا على أن تؤخَّر العقوبة لموسى وهارون، وأن يبعث فرعون في المدائن حاشرين، يجمعون له أمهر السحرة، وأكثرهم خبرة بأمر السحر، وبعد أن خرج موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” وهارون “عَلَيْهِ السَّلَام” من قصر فرعون، كان الأمر على هذا الأساس: للاستعداد والتَّجَهُّز لتلك الجولة.
هذا القرار في الواقع: قرار بأن يكون هناك جولة، ويُجْمَع فيها السحرة، ويُحَدَّد فيها موعد، اختار موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” بعد أن جعلوا الاختيار إليه: {يَوْمُ الزِّينَةِ}[طه:59]، يعني: يوم عيدٍ من أعيادهم، وفي ساحة معروفة للعروض والاجتماعات العامَّة في المدينة؛ فهذا القرار في واقع الحال هو من مظاهر: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}[يوسف:21].
لا شكَّ أنَّ ما حدث في القصر، من دخول موسى وهارون “عَلَيْهِمَا السَّلَام”، وإبلاغهما الرسالة لفرعون وملائه، وما أقاماه من الحُجَّة والبراهين، ثم إظهار المعجزات الكبرى:
– في مقدِّمتها: العصا.
– ومعجزة أيضاً اليد.
– ومعجزة السلطان الإلهي، الذي حمى الله به موسى وهارون من القتل.
كل هذا سيتسرَّب إلى خارج القصر، وسيأتي الحديث عنه، ولكن ليست المسألة مثل الحال في أن يشاهد الناس بأنفسهم المعجزات الكبرى، وأن يسمعوا موسى وهارون “عَلَيْهِمَا السَّلَام”.
فلذلك كان هذا القرار- بنفسه- من مظاهر التدخل الإلهي، والرعاية الإلهية، والتأييد الإلهي لموسى وهارون “عَلَيْهِمَا السَّلَام”، حينما اتَّجه فرعون وملؤه إلى هذا القرار، وإلى أن يجمعوا الناس في يوم العيد، في يوم زينةٍ لهم، وأن يشاهد الناس بأنفسهم جولةً ما بين السحرة وبين موسى وهارون، فهذا فعلاً يمثِّل فرصةً كبيرةً لموسى “عَلَيْهِ السَّلَام” في جمع الناس لمشاهدة المعجزة، وليسمعوا الحق، وليعرفوا الحقيقة.
كما قلنا: من العجيب أن يجعلوا حتَّى إلى موسى هو تحديد الزمان والمكان، هم يتظاهرون بالثقة في أنفسهم، وفي موقفهم، ولكن المسألة غير ذلك.
فرعون- في واقع الحال- قد تيقن أنَّ ما شاهده هو معجزات وآيات وليس سحراً، لكنَّه لجأ إلى دعوى السحر؛ لتضليل قومه، ولتطويل أمد النزاع والأخذ والرد، وفي نفس الوقت على أمل أن يلجأ إلى معارضة تلك الآيات البيِّنة بالسحر، ربما كان لديه أيضاً احتمالات أنَّه قد يفيده استخدام السحر في مواجهة المعجزات والآيات.
وجدنا أيضاً في مزاعم فرعون: الدعاية التي يتهم فيها موسى، بأن هدفه: الإخراج لهم من الأرض، وهذا هو مثال لأنواع الدعايات التي يصنعها الطغاة في مواجهة الحق وأهله، ويحرصون على أن يكون من ضمن الدعايات ما يستفز الناس، ويحرِّك حميتهم، ويربطهم بالموقف؛ يعني: حتَّى يتحوَّلوا وكأنهم هم أصحاب قضية، مثلاً: في هذه الدعاية، وهو يزعم بشأن موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”: {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى}[طه:57]، وكذلك في قول الملأ: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ}[الشعراء:34-35]، فهذه الدعاية تهدف إلى تصوير فرعون والملأ، وكأنهم يتبنون قضية المجتمع، قضية الناس، وقضيةً مشتركةً بينهم وبين المجتمع، مِمَّا يحرِّك معهم مجتمعهم ليتفاعل معهم.
هذا مثال من أمثلة الدعايات التي يجب أن يكون لدى الناس وعي عنها، حينما يستخدمها الطغاة، والسيئون، الذين يحاولون أن يستغلوا ما يتفاعل معه الناس من العناوين، وإن كان عنواناً زائفاً، ليس هو العنوان الحقيقة المتطابق مع حقيقة الموقف، لكن هذا هو الهدف؛ وإلَّا فالحقيقة كانت أنَّ موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” طلب أن يرسلوا معه بني إسرائيل، ليخرج هو وهم من مصر، فهو الذي يريد أن يخرج من مصر أصلاً.
{قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}[طه:59]، اتَّفق معهم موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” على يوم عيدٍ من أعيادهم، وفي وقتٍ محدَّد: {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}[طه:59]، يعني: من بعد شروق الشمس وانبساطها؛ باعتبار ذلك الوقت الأنسب لحضور الناس، يكون الناس جاهزون فيه للحضور، ولمشاهدة ما يجري.
في هذا اللقاء الذي قد تمّ، قد حقَّق الله لموسى “عَلَيْهِ السَّلَام”- بالنسبة للقاء الأول- التَّمَكُّن من إبلاغ الرسالة، وإقامة الحُجَّة، وإظهار المعجزات، وظهر موقف فرعون ضعيفاً أمام ذلك:
– ضعيفاً في مسألة الاستدلال، والنقاش، والبراهين.
– وضعيفاً في مواجهة المعجزات؛ وإنما لجأ- كما قلنا- إلى الدعاية؛ فلذلك تم الاتِّفاق على جولةٍ ثانية في زمانها ومكانها.
{فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ}[طه:60]، ما بعد هذا اللقاء الأول خرج موسى وهارون، واتَّجه فرعون للاستعداد لتلك الجولة المتَّفق عليها، {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ}[طه:60]، اتَّجه فرعون بكل اهتمامه للتجهيز لتلك الجولة المَّتفق عليها، وللاستعداد لها، ولا شك أنَّه دَرَس القضية مع وزرائه، ومستشاريه، وكبار معاونيه، وما يناسب من تجهيزات واستعدادات؛ حتَّى يكون موقفهم قوياً في مواجهة موسى وهارون “عَلَيْهِمَا السَّلَام”، كما أنَّه بعث {فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ}[الشعراء:36]، يعني: أرسل إلى مختلف المدن في مصر حاشرين، وهم الذين كلفهم من جلاوزته بأن يجمعوا له من المدن أمهر السحرة في ممارسة السحر، وأعلمهم بذلك.
وللمناسبة فالسحر كان مزدهراً في عصر فرعون، يعني: كان من أكثر ما كان يركِّز عليه فرعون في عصره ومصره، كان يهتم بالسحر والسحرة، وكان يستفيد من السحرة في الإمعان في تدجين المجتمع له، وفي استهواء المجتمع نحو ألاعيب السحر، في مهرجانات ترفيهية، وأنشطة تزيد من حالة الهبوط بالناس في مستوى تفكيرهم، في مستوى اهتماماتهم، وتزيد الناس تيهاً، وضياعاً، وضلالاً.
وهذا مِمَّا يركِّز عليه الطغاة، يعني: من سياسات الطغاة: أن يعملوا على أن يهبطوا بالمجتمع على المستوى النفسي والثقافي والفكري، وأن يزيدوهم تيهاً، وانشغالاً بالأمور التافهة.
مثلاً: نجد في هذا العصر، من أكثر ما يركِّز عليه أعداء الإسلام والمسلمين، اليهود الصهاينة وأعوانهم: أن يميِّعوا المجتمعات، ولاسيَّما فئة الشباب في المقدِّمة، ولكن بشكلٍ عام، الرجال والنساء يستهدفون الجميع، أن يميِّعوهم، أن ينشروا التفاهة، يعني: يحوِّلوا الناس إلى تافهين في اهتماماتهم، في تفكيرهم، في ما يركِّزون عليه في هذه الحياة، ويهبطوا بهم على المستوى النفسي عن قيمتهم الإنسانية، وعن مستوى ما ينبغي أن يكونوا عليه كبشر، كرَّمهم الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وهيَّأ لهم سلَّم الكمال الإنساني في القيم، والأخلاق، والاهتمامات، والقضايا… وغير ذلك.
ففرعون كان يستفيد من السحرة، في أنشطتهم التي تربط المجتمع بأنشطة ترفيهية، وألاعيب تافهة؛ فيهبط بالناس في مستواهم النفسي، مستواهم المعرفي، مستوى اهتماماتهم، ويزيدهم ضياعاً في ما هم فيه من الضياع، يهبط بهم في أخلاقهم، في اهتماماتهم، في فكرهم.
السحر في الأساس هو من أكبر الجرائم، هو يعتبر جريمة، هو عملٌ مجرَّمٌ في شرع الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” وفي رسالاته، يعني: في كل رسالات الله فيها تحريم للسحر، وتجريم، يعني: اعتباره جريمة، لماذا؟ لأنه عملية خداع، يعتمد فيها السحرة على التخييل المخادع، يعني: ليس عملاً قائماً على حقائق؛ بل عملية تخييلية باطلة، تخادع الناس، مع التأثير النفسي السلبي، يعني: تأثيره النفسي تأثير سيء، وما يشاهده الناس عن طريق التخييل الزائف، هي عملية خداع وتخييل، يعني: خيال زائف ليس له حقيقة، فهو يترافق معه كذلك التأثير النفسي السيء.
المصدر للسحر هم الشياطين، يعني: المصدر للسحر هو مصدر شيطاني؛ ولذلك يعتمد السحرة في التَّقَرُّب إلى الشياطين على الكفر، على أن يمعنوا في كفرهم، في خبثهم، في سوئهم؛ حتَّى يكتسبوا المهارة في السحر.
من أشهر الناس ارتباطاً بالسحر: اليهود، اليهود من أكثر الناس ارتباطاً بالسحر ومِمَّارسته، ولاسيَّما من بعد عصر نبي الله سليمان “عَلَيْهِ السَّلَام”، يعني: ما بعد عصر موسى بزمنٍ طويل، ما بعد عصر نبي الله سليمان “عَلَيْهِ السَّلَام” ارتبط الكثير من اليهود بالسحر بشكلٍ كبير، ونسبوه بالافتراء والكذب على الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” إلى سليمان نفسه، وقد كذَّبهم الله في القرآن الكريم، قال “جَلَّ شَأنُهُ”: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}[البقرة:102]، المصدر: شياطين الإنس والجن، هم الذين يعلِّمون الناس السحر، قال عنهم: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ}[البقرة:102].
على كلٍّ، جمع الحاشرون لفرعون أمهر السحرة، وأكثرهم خبرةً وعلماً بالسحر، من مختلف المدن، وجلبوهم إلى فرعون، {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ}[الأعراف:113]، وصلوا إليه، واجتمع بهم، وهو يحاول أن يعبِّئهم؛ ليؤدُّوا مهمتهم بكل اهتمام، {قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ}[الأعراف:113]، يعني: هل سيعطيهم مكافأة كبيرة، وأُجْرة كبيرة، إذا تمكَّنوا من غلبة موسى وهارون؟
{قَالَ نَعَمْ}[الأعراف:114]، هو حريص على ذلك جداً، هو في حالة خوف واهتزاز كبير تجاه معجزات نبي الله موسى وهارون، وما يترتب على ذلك في حركة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، {وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}[الأعراف:114]، فهو يعدهم بالأجر المادي والمعنوي، يعني: أن يعطيهم مناصب مهمة ذات شأن كبير، تساعدهم على الحصول على ثروات أكبر، وعلى اعتبار معنوي كبير، وهو يحاول بذلك أن يغريهم، وأن يشجِّعهم؛ ليؤدُّوا ما يريده منهم على أكمل وجه.
{فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ}[طه:60]، أعدَّ العُدَّة في كل ما يكيد به لموسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، من جمع السحرة، من تحريضٍ للناس، من كل الوسائل التي قد يرى فيها أنها تساعده على أن يكسب الموقف، وصدر الأمر للناس، والحث لهم على الحضور لمشاهدة الموقف، وليكونوا أيضاً مشجِّعين للسحرة، ويكونوا في موقف فرعون، في إطار فرعون.
{وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ}[الشعراء:39-40]، كان أسلوب الجمع للناس أسلوب تشويق وتشجيع للحضور، ولأهمية هذا الحضور في دعم موقف السحرة، في التشجيع لهم، بحيث يكون الناس جمهوراً مؤيِّداً لهم، مشجِّعاً لهم؛ ليكسبوا الموقف، ويحاولون أن يشعروا الناس بأهمية ذلك.
وبالتأكيد الناس سيكون لديهم أيضاً دافع الفضول من جهة، مع التشويق، والحث، والأوامر من جهة فرعون، اجتمعت كل العوامل التي تدفعهم للحضور، ووراء ذلك أيضاً تدبير الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ لكي يتهيَّأ أن يشاهد أكبر قدر ممكن من الناس معجزة موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، وأن يسمعوا الحق، وأن يصل صوت الحق وقضية الحق إليهم؛ ولهذا كان هناك تدبير من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
أتى الموعد المحدَّد في يوم الزينة، وكان فرعون جاهزاً، جمع السحرة، هيَّأ الناس للحضور والمشاركة، للدعم وللتشجيع، {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى}[طه:60]، أتى في الموعد المحدَّد.
حضر موسى وهارون “عَلَيْهِمَا السَّلَام” بمفردهما؛ أمَّا فرعون، ووزراؤه، وأعوانه، ورجال دولته، ومن جنوده، ومعهم السحرة، وجماهير الناس، فقد حضروا كجبهة واحدة، يعني: هناك موسى وهارون لوحدهما، بمفردهما جبهة، وفرعون ورجال دولته، ومن حشدهم معه، وجماهير الناس، والسحرة، جبهة كاملة، في مواجهة موسى وهارون “عَلَيْهِمَا السَّلَام”.
وتهيَّأ الناس في محيط الساحة، التي ستكون فيها جولة المواجهة ما بين موسى والسحرة، والمواجهة هي كانت مواجهةً بين الحق والباطل، بين الحقيقة والزيف، بين المستضعفين والمستكبرين، احتشد الناس، حضروا، اجتمعوا، بدأت الاستعدادات والترتيبات في داخل الساحة نفسها.
أحضر السحرة معهم عدداً كبيراً من الحبال والعصي، التي أعدُّوها وفق طريقتهم في السحر، للعملية التي سيقومون بها، وموسى “عَلَيْهِ السَّلَام” وهارون حضرا إلى الساحة، وأصبحا وجهاً لوجه في مواجهة الساحرة.
موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” حرص ما قبل بداية الجولة أن يقيم الحُجَّة على السحرة، وأن يحذِّرهم عذاب الله؛ لأنهم يؤدُّون مهمةً هي- في بحد ذاتها- مهمةً إجرامية: ممارسة السحر، جريمة كبيرة، ويؤدُّونها في سياق خدمة الضلال والباطل، وخدمة دعاية باطلة، وافتراء عظيم من قِبَل فرعون؛ لأن فرعون يريد أن يثبت أنَّ معجزة موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” ليست سوى سحر، يمكن مواجهته بسحر، وهم في أدائهم لمهمتهم التي يريدون أن يؤدُّوها في ممارسة السحر، يريدون أن يثبتوا لفرعون أيضاً، ومع فرعون، ولصالح طغيان فرعون، تلك الدعوى الباطلة، وذلك الافتراء الظالم؛ ولذلك حذَّرهم موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”: {قَالَ لَهُمْ مُوسَى}[طه:61]، قال للسحرة في الساحة نفسها، بعد أن أصبح هو وهم وجهاً لوجه، {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ}[طه:61]، يعني: يستأصلكم بعذاب، {وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى}[طه:61]، عاقبته هي الخيبة، لن يظفر بالنجاح أبداً.
كان لهذا التذكير، وهذا التخويف لموسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، أثره الواضح في أنفس البعض من السحرة؛ ولذلك حصل اختلاف واضطراب في داخلهم ما قبل أن تبدأ الجولة، {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ}[طه:62]؛ لأنهم من خلال لقائهم بموسى، وسماعهم لكلامه، أدركوا أنه ليس ساحراً، وأن منطقه منطق هدى وإيمان، وليس منطق ساحر، يعني: معروف عندهم كيف هي شخصية الساحر، منطقه، أسلوبه، سلوكه، كلامه، هم أدركوا أنَّ موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” ليس ساحراً؛ ولذلك شعروا بالخوف من تحذيره لهم، فحصل في داخلهم اختلاف؛ ولذلك تجاه ذلك الموقف، حاول فرعون وأعوانه أن يتلافوا المشكلة، وأن يعبِّئوا السحرة من جديد، يحسموا حالة التنازع فيما بينهم، وأن يعبِّئوهم؛ ليدخلوا في المواجهة بعزمٍ، وبدون تردُّد، وباتِّجاهٍ جادّ.
{فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى}[طه:62]، وبالتأكيد بينهم قادة من أعوان فرعون، أسروا النجوى؛ حتَّى لا ينتبه الناس ولا موسى إلى حالة الارتباك والتنازع، التي كانت قد هزَّت موقفهم قبل بدء الجولة مع موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”.
في تلك التعبئة، في النجوى نفسها، وهم يتناجون: {قَالُوا}، من يعبِّئونهم، ويحاولون أن يعالجوا حالة التَّرَدُّد التي أصبحت ظاهرةً لدى بعضهم، {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}[طه:63]، يعني: لا تخافوا منهما، هما- يعني: موسى وهارون- هما مجرَّد ساحرين، ومن أمهر السحرة، فلا تخافوا منهما؛ إنما يحاولان أن يقدِّما أنفسهما باسم الرسالة والنُّبُوَّة، كدعاية من أجل تنفيذ أهدافهما، وهي أهداف ليست حول الرسالة ولا غيرها.
{يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا}[طه:63]، تلك الدعاية التي جعلوها دعايةً أساسية لمواجهة موسى وهارون، يكثرون من الكلام عنها، ويؤكِّدون عليها، ويقدِّمونها وكأنها حقيقة، فهم يقولون لهم: [أنتم تدافعون عن بلدكم، عن وطنكم، عن أرضكم، فهما يريدان إخراجكم من أرضكم].
{وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى}[طه:63]، يعني: أنهما يستهدفان أيضاً دينكم، وحضارتكم، ومنهجيتكم في الحياة، ومشروعكم في الحياة، الذي هو الأرقى، والأصوب، والأنسب، والأصح.
ثم أعدوا خطةً في مناجاتهم تلك، يعوِّلون عليها في النجاح في مواجهة موسى وهارون: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ}[طه:64]، يعني: اتَّجهوا بكل جدّ، بدون أي تردُّد، وأجمعوا كل إمكاناتكم في عمل السحر، والوسائل التي بأيديكم، والخبرة التي تمتلكونها، فتتحرَّكوا بذلك بشكلٍ جماعي؛ ليكون سحركم عظيماً، {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا}[طه:64]، يعني: تحرَّكوا بشكل صف واحد؛ لتكونوا موحَّدين، وبمظهر كبير، ولتلقوا سحركم دفعةً واحدة، تظهروا بكثرتكم في مقابل موسى وهارون، لتكونوا أقوياء في مواجهتهما، {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى}[طه:64]، يعني: فاز من ظفر بالموقف، ليحصل على مكاسب الانتصار الكبيرة والمهمة، في تلك الجولة المهمة والحسَّاسة، فهم يحاولون أن يرفعوا من مستوى معنويات السحرة، والإطماع للسحرة أيضاً بما يتحقَّق لهم من مكاسب كبيرة لذلك.
حسم السحرة خيارهم بالمواجهة، واتَّجهوا إلى موسى من أجل البدء لِلتَّحَرُّك في ذلك، من أجل أن يبدأوا الجولة، {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى}[طه:65]، وهم بهذا يتظاهرون أنهم جاهزون لكلا الحالتين، يعني: يتظاهرون بالقوَّة والمعنوية العالية، {قَالَ بَلْ أَلْقُوا}[طه:66]، موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” وهو مع أخيه هارون لوحدهما، بمفردهما في تلك الساحة، والحاضرون بكلهم جبهة ضدهم: فرعون، ووزراؤه، وكبار رجال دولته، أعوانه، المؤيدون له، والجماهير المؤيِّدة له، ومعهم السحرة، ومع ذلك كان موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” في حالة اطمئنان وهدوء وسكينة، ولم يكن في حالة ارتباك ولا قلق، كان واثقاً بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
{قَالَ بَلْ أَلْقُوا}[طه:66]، في (سورة الشعراء): {قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ}[الشعراء:43-44]، يعني: تحرَّكوا وفق تلك الخطة التي قد أعدُّوها: أن يتحرَّكوا وفق خطتهم صفاً واحداً، فهم كما قال الله: {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ}[الشعراء:44]، تحرَّكوا صفاً واحداً، وألقوا حبالهم وعصيَّهم دفعةً واحدة، مصحوبةً بصيحةٍ جماعية يستندون فيها إلى عِزَّة فرعون، وهي عِزَّة واهية، ليست عِزَّة حقيقية، وأنَّها مصدر لقوتهم وغلبتهم، {وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ}[الشعراء:44]، صاحوا صيحة جماعية، {إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ}[الشعراء:44].
كان سحرهم عظيماً، وصفه القرآن الكريم بقول الله تعالى في (سورة الأعراف): {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ}[الأعراف:116]؛ لأن السحر هو يستهدف رؤية الإنسان، عملية تخييل، يرى الإنسان غير الواقع، غير الحقيقة، هذا فيما يراه الإنسان، يعني: السحر قد يستهدف إمَّا الحالة النفسية لدى الإنسان، أو ما يشاهده الإنسان بالتخييل، فيشاهد أشياء غير حقيقية.
{وَاسْتَرْهَبُوهُمْ}[الأعراف:116]: أحدثوا رهبة ومخافة كبيرة في نفوس الجماهير الحاضرة والمشاهدة، {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}[الأعراف:116]، يعني: كان مشهد الحبال والعصي التي ألقوها وكأنها حيَّات تتحرَّك وتسعى بأعداد كبيرة، في مشهد أخاف الناس.
في الآية الأخرى في سورة طه: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى}[طه:66]، يعني: حتَّى موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” كان يُخَيَّل إليه وهو يشاهدها وكأنها تسعى، وذلك من الخيال، يعني: لم تكن قد تحوَّلت إلى حيَّات؛ وإنما بسحرهم لأعين الناس، وعملية التخييل، يتخيَّل المشاهد وكأنها حيَّات تسعى.
ورأى موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” رهبة الموقف على الجماهير من حوله، والناس المشاهدين، حالة الانبهار، الدهشة، الخوف لديهم، {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى}[طه:67]، شعر بخوف من أن تقوى شبهتهم، وتلبيسهم على الناس، وأن يتأثَّر الناس لذلك.
{قُلْنَا لَا تَخَفْ}[طه:68]، أوحى الله إليه: {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى}[طه:68]، أنت الذي سيحقِّق الله لك الانتصار، وستهزمهم بقوَّة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
فالله أوحى إليه بما يطمئنه، وبشَّره بالنصر، وأمره أيضاً أن يبدأ: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا}[طه:69]، يعني: يبدأ بعمله في الإلقاء بالعصا؛ أمَّا بداية الجولة فكانت من جهة السحرة، {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}[طه:69]، يعني: ما يقوم به الساحر إنما هو خداع، وتضليل، وحيَّل، وتخييل، وليس حقيقة؛ فلن ينجح.
{فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ}[الشعراء:45]، وكانت الصدمة الكبرى لفرعون وملئه؛ لأنهم كانوا في حالة زهو، وغرور، وابتهاج لما شاهدوه، بعدما ألقى السحرة حبالهم وعصيَّهم، كانوا في حالة تشجيع لهم، {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ}[الشعراء:45]، وكانت النتيجة كما في (سورة الأعراف): {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الأعراف:118]، بطل سحر السحرة، فشلوا، وكان فشل السحرة وبطلان سحرهم وإفكيهم، وانتصار موسى في لحظة سريعة، صدمةً كبيرةً لفرعون وملئه، وأعوانه، وأنصاره.
وإضافةً إلى ذلك، كانت هناك أيضاً مفاجأة أخرى لم تكن في الحسبان، لم يكن يتوقعها فرعون: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}[الشعراء:46-48]، أيقن السحرة بالمعجزة الإلهية، بما جعلهم في حالة شعور بعظمة الله، وعظمة قدرته “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ فسجدوا على الفور خاضعين، كما لو أنهم أُلقُوا (أُلْقِيَ) يعني: حالة السجود والسقوط والهوي إلى الأرض كما لو أنهم أُلْقُوا، ثم قاموا من السجود وأعلنوا إيمانهم بصرخةٍ إيمانيةٍ قوية.
كانت خيبة فرعون كبيرة، وبمرأى ومسمع من الناس، الذين حشدهم للحضور، ورأوا المعجزة بأنفسهم، وشاهدوا هزيمة السحرة، وكذلك إيمانهم، واعترافهم بالمعجزة الإلهية، وهذا عزَّز من انتصار موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، يعني: كان لإيمان السحرة، واعترافهم بأن الذي حدث هو معجزة من الله، وأن الذي بيد موسى هو معجزة من الله، وليس سحراً أبداً، كان أيضاً انتصاراً إضافياً لموسى “عَلَيْهِ السَّلَام”.
فوجئ الطاغية المستكبر (فرعون) بما حدث بهذا الشكل، ولجأ كعادة الطغاة بعد ألَّا يمتلك أي برهان، ولا دليل، يلجأ إلى التهديد والدعاية الكاذبة والجبروت، {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}[طه:71]، بعد أن ظهر إفلاسه وخيبة أمله، على مستوى الحُجَّة، والبرهان، والدليل، وثبوت الحق الواضح لموسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، وظهور المعجزة الإلهية، وأنها بالفعل معجزة إلهية، اتَّجه بكل حنقه وعقدته من الهزيمة النفسية، إلى التهديد والوعيد بقطع الأيدي والأرجل من خلاف، وأن يُصَلِّب أولئك السحرة الذين آمنوا في جذوع النخل، {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}[طه:71].
نكتفي بهذا المقدار.
وَنَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
