حرب السودان.. حسم عسكري أم حرب طويلة تفكك الدولة ؟

توازن القوة يبدد آمال التسوية السياسية:

 

مع اقتراب دخول الحرب في السودان عامها الرابع تشهد أزمة الحرب في هذا البلد تفاعلات تلوح بحرب أهلية طويلة تنذر بانهيار للدولة السودانية، وسط مخاوف من تحولها إلى حرب إقليمية في ظل توسع المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والتهديدات المتبادلة بالحسم، دون قدرة أي طرف على ذلك، في حين تواجه مبادرة الهدنة الإنسانية التي تقودها الآلية الرباعية لتأمين الكثير من العقبات.

تحليل / أبو بكر عبدالله

النتائج التي خلصت اليها جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة مؤخرا بشأن الحرب في السودان، كانت مخيبة للآمال بعد أن فشلت في الوصول إلى اتفاق بخصوص فرض «هدنة إنسانية» فورية نتيجة تباعد المواقف بين الأطراف المتحاربة والشروط المطروحة من كل طرف، ما جعل مجلس الامن يكتفي بتجديد دعوته الصارمة للأطراف بوقف الأعمال العدائية وفتح ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية.
وبعيدا عن مواقف أطراف الصراع التي بدت حتى اليوم متمسكة بخيار الحسم العسكري، كانت التحذيرات التي أطلقتها وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، روز ماري ديكارلو، من المخاطر الأمنية والإنسانية الكارثية الناتجة عن استمرار الحرب وتوسع نطاقها، أشبه بجرس إنذار أخير حيال التداعيات الكارثية للحرب التي يلوح استمرارها بانزلاق هذا البلد في أتون حرب أهلية طويلة تهدد حياة أكثر من 30 مليون نسمة كما تهدد تماسك وبقاء الدولة السودانية.
وطبقا لأحدث التقارير الأممية، أدت الحرب المندلعة في السودان منذ ابريل 2023 إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح 12 مليون مداني داخل السودان وخارجه، في حين يؤدي استمرار الحرب إلى هروب أعداد هائلة من المدنيين الفارين إلى مناطق آمنة بلا مأوى أو إلى دولة تشاد المجاورة، التي تستضيف حاليا نحو 1.5 مليون لاجئ سوداني يعيشون في مخيمات على طول الحدود.
والمخاوف الدولية والأممية من تداعيات الحرب المستمرة في السودان، تصاعدت مؤخرا، بعد أن شهدت مناطق الاشتباك الرئيسية شمال دارفور، وشمال وجنوب كردفان والنيل الأزرق تصاعدا حادا في الاشتباكات وسط مخاوف من تحول الصراع إلى نزاع إقليمي يتجاوز الجغرافيا السودانية، في ظل فشل الجهود الدولية بالوصول إلى تسوية سياسية مقبولة من طرفي الصراع تساهم في أنهاء دوامة العنف العاصفة بالسودان.
ورغم التأييد الشعبي الواسع للإنجازات التي حققها الجيش مؤخرا والتي قلصت من خارطة السيطرة لقوات الدعم السريع وساهمت في عودة عشرات الآلاف من النازحين إلى مناطقهم، إلا أنها لم تبدد مخاوف السودانيين من جولات حرب قادمة أكثر قتامة في ظل تأخر الجيش عن حسم الحرب بصورة سريعة وسط مخاوف من جولات حرب أخرى يجري التحضير لها بمساندة أطراف اقليميين، قد تتكرر معها جرائم استهداف المدنيين وجرائم الإبادة الجماعية التي فشل المجتمع الدولي في تداركها في الفترة الماضية، وتلوح باقتياد أعداد أخرى من السودانيين إلى مخيمات اللجوء في ظروف صعبة.
خريطة السيطرة
بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب في السودان تهيمن حالة الانقسام الجغرافي الحاد على خارطة الحرب بصورة جعلت هذا البلد الغارق بالأزمات، منقسما بين طرفين متصارعين الاول تمثله قوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو، والثاني تمثله قوات الجيش السودان بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان.
تسيطر قوات الجيش السوداني والقوات الشعبية المتحالفة معه حاليا على الولايات الشمالية والشرقية والوسطى بما فيها العاصمة الخرطوم ومناطق الشريط الشرقي، فيما يسيطر في مناطق التماس على نصف مناطق اقليم شمال كردفان ومعظم مناطق إقليم جنوب كردفان ويخوض معارك شرسة في بعض الجيوب في الإقليميين، في حين لا يزال الجيش السوداني يتمركز في مناطق استراتيجية في شمال دارفور بما فيها أجزاء من مدينة الفاشر وعلى طول الحدود مع تشاد، مما يشكل اختراقا استراتيجيا في عمق مناطق نفوذ الدعم السريع.
وتتعزز سيطرة الجيش السوداني بسيطرة مجلس السيادة الانتقالي برئاسة الفريق البرهان، بشكل كامل على مراكز الثقل في الخارطة السياسية والعسكرية السودانية، من شمال البلاد إلى شرقها بما فيها ولاية الخرطوم ومدينة بورتسودان ذات الرمزية السياسية الكبيرة، وصولا إلى مناطق الوسط.
اما قوات الدعم السريع فتسيطر على إقليم دارفور الذي يمثل ربع مساحة السودان وأجزاء من إقليم شمال كردفان بعد أن تحول إلى جبهة رئيسية في القتال بما في ذلك مدينة بارا الاستراتيجية فضلا عن سائر ولايات إقليم غرب كردفان باستثناء مدينة بابنوسة وأجزاء في شمال إقليم جنوب كردفان والتي تخضع لسيطرة الحركة الشعبية الحليفة لقوات الدعم السريع.
ومنذ سيطرتها على مدينة الفاشر اتخذت قوات الدعم السريع من ولاية جنوب دارفور وعاصمتها نيالا مقراً لها، حيث أعلنت تشكيل حكومة موازية هناك وتحاول تثيبت سيطرتها على بعض مناطق التماس في اقليمي شمال وجنوب كردفان حيث تدور معارك عنيفة بين الجانبين لفرض السيطرة العسكرية والإدارية على هذه المناطق.
خريطة الحرب
يخوض الجانبان حاليا معارك استنزاف حادة في إقليمي شمال وجنوب كردفان التي توجهت إليها قوات الدعم السريع بعد سقوط مدينة الفاشر سعيا إلى السيطرة الكاملة على مناطق إقليم شمال كردفان بما يقود إلى فصل مناطق الجنوب والغرب واخضاعها لسيطرة الحكومة الموازية التي شكلها الدعم السريع بمساندة بعض القوى السياسية.
ولايزال إقليم شمال كردفان يمثل منطقة قتال ساخنة، حيث يخوض الجانبان حرب استنزاف ولا سيما في مناطق الأبيض وكادقلي، في حين لا تزال المعارك مستمرة في تخوم ولاية سنار والنيل الأزرق، وهي جبهة جديدة تحاول فيها قوات الدعم السريع التمدد من خلالها جنوبا لفتح ممرات إمداد جديدة عبر الحدود.
وتزداد حدة المعارك في نقاط استراتيجية في هذا الإقليم، يعتبرها طرفا الصراع مفاتيح للمرحلة القادمة يتصدرها مدينة الأبيض التي ينظر اليها بكونها حلقة وصل بين الغرب والوسط ويحاصرها الدعم السريع باستمرار، في حين لا يزال الجيش يتمركز فيها ويحتفظ بمطارها الاستراتيجي.
وفي إقليم غرب كردفان لا تزال مدينة بابنوسة تمثل نقطة حرب ساخنة وتشهد معارك عنيفة بسبب موقعها على خط السكة الحديدية الرابطة بين دارفور ووسط السودان، وتستميت قوات الجيش هناك بالدفاع عنها كون سقوطها يعني قطع إمدادات الجيش تماماً عن تلك المناطق.
تمتد خارطة المعارك إلى ولاية الجزيرة في الوسط تختلط فيها مناطق السيطرة بين الجيش والدعم السريع ويخوض الجانبان معارك في اريافها.
أما العاصمة الخرطوم ومناطق بحري وأخرى بشرق وشمال السودان فهي تعتبر اليوم مناطق مستقرة بسبب سيطرة الجيش السوداني عليها بما في ذلك بورتسودان، كسلا، دنقلا.
حسم بعيد المنال
رغم الانتصارات المهمة التي حققها الجيش والقوت الشعبية المتحالفة معه باستعادته مساحات واسعة في أقاليم الشمال والوسط والجنوب، إلا أن تحقيق انتصار حاسم يقود الى إنهاء وجود قوات الدعم السريع عسكرياً لا يزال حلما بعيد المنال.
والحال كذلك مع قوات الدعم السريع التي استطاعت تحقيق انتصارات في إقليم دارفور مكنتها من نقل المعارك إلى أقاليم شمال وجنوب وغرب كردفان، والغرق هناك في معارك عنيفة مع قوات الجيش التي تحاول التصدي لزحوفات الدعم السريع ومنعها من السيطرة على مناطق جديدة في هذا الإقليم.
وكل التقديرات تشير إلى أن طرفي الصراع يخوضان حرب استنزاف طويلة الأمد في ظل عدم قدرة أي طرف على حسم الحرب لصالحه، خصوصا وأن شروط الحسم لم تتوفر لأي طرف حتى الآن على الأقل.
السبب في ذلك أن كلا الطرفين يمتلكان نقاط قوة وضعف متقاربة، فالجيش يمتلك الأفضلية في كونه مؤسسة نظامية تحظى بالشرعية الدولية ومدعوم من سلطة تدير مؤسسات الدولة والحكومة وتسيطر على العاصمة والمؤسسات الاقتصادية والمالية والادارية والمنشآت الحيوية مثل الموانئ والمطارات، ناهيك عما يمتلكه الجيش من قدرات عسكرية وخبرات بما فيها القوات الجوية.
والإنجازات العسكرية التي حققها الجيش السوداني مؤخرا باستعادته السيطرة على العاصمة الخرطوم وتنظيف مناطق عدة من نفوذ الدعم السريع، منحته دفعة معنوية وسياسية قوية وسعت إلى حد كبير من حاضنته الشعبية في حين أفلحت تحركاته الدبلوماسية في منحه موقفا دوليا مساندا لوحدة السودان ومناهض لمشاريع تقسم السودان.
لكن الجيش في المقابل ظل ولا يزال يواجه صعوبات في القضاء على قوات الدعم السريع التي تتميز بخفة التنقل في المناطق المفتوحة ولا سيما في المناطق الساخنة بأقاليم دارفور وكردفان، واعتمادها على حرب العصابات.
بالمقابل ظلت قوات الدعم السريع تمتلك نقاط قوة بقنوات الدعم الخارجي، وسيطرتها شبه الكاملة على إقليم دارفور والذي منحها عمقاً استراتيجيا وخطوط إمداد حدودية، مكنتها من فتح جبهات واستنزاف قوات الجيش في مناطق عدة.
لكن هذه القوات التي تصفها السلطات السودانية بأنها مليشيا متمردة ظلت بالمقابل تفتقر إلى الشرعية وتعاني من عزلة دولية واتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية وعدم امتلاك حواضن شعبية، فضلا عن فجوة الغطاء الجوي الذي جعلها عرضة لهجمات مميتة من قوات الجيش وجعل مسألة بقاءها في المدن الكبرى مكلفاً وصعباً.
هذه المعطيات جعلت الكفة تميل لصالح الجيش في الحفاظ على كيان الدولة ومركزها، بينما تميل لصالح الدعم السريع في السيطرة على الأطراف التي يصعب على الجيش السوداني الانتشار فيها بسبب محدودية قدراته العسكرية والبشرية ما منح قوات الدعم السريع فرصا للسيطرة والانتشار في هذه المناطق.
زاد من ذلك الانضباطية التي يحرص عليها الجيش السوداني في معاركه مع الدعم السريع وحرصه على تقليل آثار الحرب على المدنيين والبنية التحتية جعلت قدرته على الحسم الكامل للحرب أمرا شبه مستحيل خصوصا في ظل التكتيكات التي تنتهجها قوات الدعم السريع بتدمير البنى التحتية وارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق المدنيين.
ومن وجهة نظر قادة الجيش فإن الحسم العسكري اليوم يمكن تحقيقه غير أن كلفته ستكون كبيرة في حصول دمار أكبر وربما الانزلاق في دومة حروب أهلية متعددة الأطراف وهي النتائج التي يحاول الجيش تجنبها، والمضي بتكتيك عسكري يقلل الخسائر في البنية التحتية ويجبر قوات الدعم السريع على الانسحاب وتكبدها خسائر كبيرة دون تسجيل خسائر في صفوف المدنيين.
مخاطر وجودية
بقاء الأوضاع على ماهي عليه حاليا باستمرار حرب الاستنزاف بين طرفي الصراع يضع السودان في دوامة مخاطر وجودية كارثية ليس اقلها تقسيم السودان إلى شمال ووسط يخضع لسيطرة الحكومة والجيش وتدار أموره من بورتسودان وجنوب وغرب يخضع لسيطرة قوات الدعم السريع تدار أموره من عاصمة الحكومة الانفصالية الموازية في نيالا.
وأكثر التقديرات تشير إلى أن خطر التقسيم الرسمي للسودان على غرار انفصال الجنوب لا يزال قائمًا، وما يمنع حصوله هو الموقف الدولي الرافض لتقسيم السودان الذي تنظر إليه الدول الكبرى ودول الإقليم كركيزة لاستقرار المنطقة خصوصا وأن أي تقسيم للسودان سيضع كل الأقاليم السودانية تحت طائلة العنف المسلح الذي سيقود إلى تفكيك الدولة بما يهدد مصالح هذه الدول وسيفتح بابا للنزاعات الحدودية في القارة الافريقية بصورة عامة.
مع ذلك هناك العديد من المخاطر الوجودية تواجه الدولة السودانية اليوم، إذ ان استمرار الحرب سيُحول مناطق سيطرة الدعم السريع إلى كيان مستقل بحكم الأمر الواقع، شبيه بما حدث في بعض مناطق الصراع الأخرى، ما سيخلق واقعًا جديدا يصعب التراجع عنه.
غير بعيد ذلك مخاطر التفتت الأمني وظهور أمراء الحرب الجدد، فاستمرار الصراع ينتج بالعادة مجموعات مسلحة صغيرة خارجة عن سيطرة طرفي الصراع ما يحول البلاد إلى بؤر للفوضى المسلحة تهدد بحرب أهلية طويلة الأمد، سيكون من الصعب انهاؤها حتى لو توقفت المعارك الرئيسية.
يزيد من ذلك مخاطر الانهيار الاقتصادي وشبح المجاعة والتي قد تتوسع مؤشراتها بصورة مريعة نتيجة استمرار الحرب التي أثرت بشكل كارثي على الأمن الغذائي بعد أن قلصت مستويات الإنتاج الزراعي في حين ان استمرار إغلاق الطرق يؤدي إلى مجاعة شاملة تفوق قدرة المنظمات الدولية على الاحتواء.
يتعين الإشارة في الختام إلى أن تجارب الأزمات الدولية تؤكد ان الكفة قد تميل في النهاية لمن يستطيع الصمود عسكريا واقتصادياً ودبلوماسيا لفترة أطول، وهي معادلة تبدو قاتمة في ظل المعطيات الراهنة لكل طرف.

قد يعجبك ايضا