ماذا بعد رفض الجيش السوداني خطة «الآلية الرباعية» لإنهاء الحرب ؟
خيار «الحسم المر» قد يواجه الكثير من العقبات:
رغم التأييد الإقليمي والدولي الواسع الذي حظيت به خطة «الآلية الرباعية» لإنهاء الحرب في السودان واعتبارها الإطار الدبلوماسي الرئيسي لحل الأزمة، إلا أن الخطة واجهت من اليوم الأول عقبة رئيسية برفضها من جانب الجيش، خصوصا وأنها تعاملت مع الجيش الذي يمثل شرعية الدولة على قدم المساواة مع قوات الدعم السريع التي تعتبرها الخرطوم «مليشيا متمردة» ليتحول خيار السلام في السودان إلى حلم بعيد المنال.
تحليل / أبو بكر عبدالله
توارت جهود الدبلوماسية الدولية لإنهاء الحرب في السودان من جديد، بعد أن كانت عادت إلى الواجهة في فبرار الماضي عبر خطة الآلية الرباعية» بعد أن تم طرحها مؤخرا على طاولة مجلس الأمن الدولي كإطار دبلوماسي رئيسي لحل أزمة الحرب في السودان، بعد وقفت أمام تحدي الدعم الإقليمي العسكري المغذي للحرب وفشل مجلس الأمن في إصدار قرار بهذا الشأن.
وفقا لذلك اكتفى مجلس الأمن بتجديد دعواته للأطراف بالتنفيذ الفوري لمقترحات الخطة بإعلان هدنة إنسانية بصورة فورية وفتح ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية، والتأكيد على الحفاظ على وحدة السودان ورفض الكيانات الموازية، مع إشارته إلى انه قد ينظر في فرض عقوبات إضافية على الأطراف التي تعيق وصول المساعدات أو تتورط في جرائم ضد المدنيين.
وعلى أن خطة «الآلية الرباعية» التي تضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر والإمارات العربية المتحدة، حظيت بتأييد إقليمي ودولي، إلا أن نقلها إلى الواقع ظل يواجه عقبات كثيرة في حين كشفت مداولات مجلس الأمن في جلسته الأخيرة عن إحباط دولي تجاه عدم قدرة الدول الأعضاء على لجم التدخل الخارجي المؤجج لهذه الحرب.
ورغم أن الخطة جوبهت برفض من جانب السلطات السودانية في نوفمبر الماضي، فقد كانت منذ إعادة طرحها على الطاولة الأممية، محور ضغوط دولية واسعة النطاق مارستها أطراف إقليمية ودولية عدة على الخرطوم للقبول بها خصوصا بعد التحذيرات التي أطلقتها 24 دولة أوروبية وغربية من كارثة إنسانية خطيرة تتفاقم في السودان نتيجة الصراع المستمر منذ 3 سنوات.
مقترحات الخطة
تضمنت خطة «الآلية الرباعية» خارطة طريق مزمنة لإنهاء الحرب، تقوم على ثلاث مراحل، تشمل الأولى: اعلان هدنة إنسانية مدتها 3 أشهر، لتمكين وصول المساعدات الإنسانية، فيما اقترحت المرحلتين الثانية والثالثة ترتيبات امنية تشمل انسحاب القوات من المراكز الحضرية والمدن، وإطلاق عملية انتقالية مدتها 9 أشهر لتشكيل حكومة مدنية بعيدا عن سيطرة الأطراف المتحاربة.
اشتملت الخطة أيضا على مبادئ باحترام سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه، وحماية البنية التحتية المدنية، كما تضمنت مبادئ الزامية بإفرار الأطراف رفض الحل العسكري، وأن استمرار القتال يزيد الوضع سوءاً.
لكن الخطة المقترحة لم تتضمن أي خطوت أو إجراءات دولية لوقف الدعم العسكري الخارجي الذي ينظر اليه بكونه العامل الأول في تأجيج الصراع، واكتفت بتحذيرات من أن الدعم العسكري الخارجي لأي من طرفي النزاع (الجيش السوداني وقوات الدعم السريع) يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وزعزعة الاستقرار الإقليمي، واعتبار وقف هذا الدعم شرطاً أساسياً لإنهاء النزاع.
ورغم التأييد الإقليمي والدولي للخطة وإعلان قوات الدعم السريع الترحيب بها، إلا أنها قوبلت برفض من جانب الحكومة السودانية التي وصفتها بانها «إملاءات» وأكدت أنها غير ملزمة بأي مبادرة لم تشارك في صياغتها، وأن أي حل يجب أن يبدأ باستسلام الدعم السريع وليس التفاوض معه، كما اشترطت انسحابا فوريا لقوات الدعم السريع من المدن والمنازل التي يتحصنون فيها وفق اتفاق جدة السابق قبل الدخول في أي هدنة جديدة.
أكثر من ذلك وجهت الحكومة السودانية انتقادات لمبعوثي الرباعية، خاصة المبعوث الأمريكي، واتهمت بعض أطراف الرباعية (تحديداً الإمارات) بعدم الحياد لدعمها المفترض للطرف الآخر.
حسابات الجيش
الموقف الصارم الذي أعلنه الجيش السوداني برفض الخطة، لم يأت من فراغ بل كان خلاصة لحسابات سياسية وعسكرية وأيديولوجية ناهيك عن الحسابات الإقليمية والدولية، فحكومة الخرطوم ترى نفسها مؤسسة وطنية تمثل شرعية الدولة السودانية وسيادتها، وترى أن أي تفاوض مع الدعم السريع على قدم المساواة سيكون اعترافا بكيان موازٍ للدولة وشرعنه لوجود عسكري خارج إطار القانون.
هذا الأمر أعلنه بوضوح الفريق البرهان، الذي أكد أن الاعتراض الرئيسي على الخطة جاء لكونها تتعامل مع أطراف النزاع كندين متكافئين، في حين ان الجيش يتعامل مع قوات الدعم السريع باعتبارها «ميليشيا متمردة» يجب حلها وتفكيكها، وليس منحها وضعاً سياسياً أو عسكرياً في مستقبل السودان.
كان واضحا ان التطورات الميدانية لصالح الجي أثرت على قراره بإمكانية الحسم العسكري وأن القبول بالخطة في هذه المرحلة يعني التفريط في مكاسب ميدانية مهمة، في حين أن الهدنة التي اقترحتها الخطة، تعني تجميد الوضع على ما هو عليه وتمكين الدعم السريع من الحفاظ على مكاسبة وإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها، كما رأى الجيش أن أي هدنة ستستثمرها قوات الدعم السريع لإعادة ترتيب صفوفها وتعزيز سيطرتها الإدارية على المناطق الواقعة تحت نفوذها، بدلاً من الانسحاب منها.
لم يخل موقف الخرطوم من ابعاد أيديولوجية فالجيش صار اليوم يعتمد في حربه بشكل كبير على دعم الحركات الإسلامية والكتائب المرتبطة بها، مثل حركة العدل والمساواة بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم، و»كتيبة البراء بن مالك»، وهذه القوى ترى في أي حل سياسي تقوده الولايات المتحدة تهديداً وجودياً لها.
ويصعب اغفال عامل أساسي وراء رفض قيادة الجيش السوداني (الحكومة) للخطة وهو وجود دولة الإمارات ضمن دول «الآلية الرباعية» حيث ترى قيادة الجيش أن وجود الإمارات ضمن تشكيلة الآلية الرباعية يمثل عائقا وليس حلاً، بسبب الدور الذي تلعبه الإمارات في تمويل ودعم قوات الدعم السريع عسكرياً ولوجستياً، ما جعلها تفترض أن أي خطط أو مقترحات تصدر عنها غير محايدة.
مناورة سياسية
كان واضحا أن قرار قوات الدعم السريع الترحيب بخطة «الآلية الرباعية» لم يكن سوى مناورة سياسية استهدفت توجيه رسالة للرعاة الدوليين بأنها طرف فاعل في العملية السياسية قابل للانخراط في المسار التفاوضي خلافا لقيادة الجيش وهو ما وضع الخرطوم في موقف حرج امام الرأي العام المحلي والدولي ونجح إلى حد ما في توجيه الضغوط الدولية على الجيش، والتلويح بفرض المزيد من العقوبات على قياداته بوصفها المعرقل لخطة السلام.
وعلى المستوى العسكري بدى أن موافقة الدعم السريع على الخطة كانت محاولة لاستثمار التوقيت الجرح، بإعلان الانخراط في هدنة تبعد عنها شبح فقدان المكاسب السابقة، خصوصا بعد الخسائر التي منيت بها في جبهات كردفان واستمرار الجيش في التقدم واستنزاف قوات الدعم السريع التي تقدمت إلى هذه المناطق بعد سيطرتها على آخر معاقل الجيش في مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور.
هذا الوضع الحرج جعل مقترحات «الآلية الرباعية» بتجميد القتال في الجبهات حلا مثاليا لقوات الدعم السريع خصوصا وهو سيتيح لها فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب القوات وأكثر من ذلك تأمين المناطق التي سيطرت عليها في وقت سابق.
وعلى المستوى السياسي كان واضحا حاجة قوات الدعم السريع إلى الهدنة المؤقتة أو الوقف الدائم لإطلاق النار بضمانات دولية من اجل تحويل إنجازاتها العسكرية إلى نفوذ سياسي وإداري في المناطق الخاضعة لسيطرتها بعيدا عن الضغوط ومطروحا على طاولة المفاوضات من جهة، ومن جهة ثانية تحسين موقفها الدولي ووقف أي إجراءات دولية قد تضر بها نتيجة انتهاكاتها الإنسانية.
خيار «الحسم المر«
طوال الفترة الماضية لم تخف القيادة السودانية رهانها على الخيار العسكري كأداة للحسم ولا سيما بعد المكاسب التي حققها الجيش في إقليمي شمال وغرب كردفان، حيث تمكن من فك الحصار عن بلدات رئيسية كانت خاضعة لسيطرة الدعم السريع، وهو نجاح عزز الثقة لدى القيادة بأن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى استعادة المزيد من الأراضي، مما يجعل القبول بوقف إطلاق النار الآن بمثابة كبح لهذا الزخم.
والمُرجح وفقا لمعطيات كثيرة أن خيار الجيش برفض خطة الحل السياسي وتوجهه نحو خيار «الحسم المر» سيفرض عليه تحديات جسيمة في إطالة أمد الصراع، وإنهاء المعاناة الإنسانية التي تطاول أكثر من نصف السكان ولا سيما النازحين خارج السودان، ناهيك بالتحديات التي ينتظر أن يواجهها في تعزيز الأمن وإعادة بناء الدولة واحتواء تداعيات الحرب حتى لو استطاع الجيش إنهاء الحرب مع قوات الدعم السريع لصالحه.
من جانب آخر فإن موقف الخرطوم سيُبقي الجيش تحت طائلة الضغوط في ظل هيمنة واشنطن على قرار «الرباعية الدولية» خصوصا بعد أن عزز الجيش تحالفاته مع قوى دولية كبيرة، بالصفقة التسليحية مع باكستان بقيمة 1.5 مليار دولار، وتطوير الخرطوم علاقاتها مع روسيا، بعد أن جددت عرضها لموسكو لإنشاء قاعدة بحرية في بورتسودان.
بدائل ملغومة
رغم الضغوط التي تمارسها دول «الآلية الرباعية» لتنفيذ خطها للسلام، لا تزال الخرطوم تراهن على تجاوزها بحدوث تغيير في موازين القوى على الأرض بالتوازي مع تغير في المواقف الدولية، قد يمكنها من فرض شروطها في أي مفاوضات مستقبلية، بدلاً من القبول بخطة الرباعية بصيغتها الحالية التي اعتبرتها املاءات لا تحترم السيادة.
غبر بعيد عن ذلك رهانها على الانقسامات الحاصلة اليوم داخل الآلية الرباعية وخصوصا في الخلاف السعودي-الإماراتي الذي يمكن أن يشل قدرة الرباعية على ممارسة ضغوط موحدة على الخرطوم.
أكثر من ذلك الرهان الاستراتيجي على الوقت، حيث تراهن قيادة الجيش على أن التقدم الميداني سيستنزف الدعم السريع وسيحسن شروطها التفاوضية، خصوصا وأن توجهها لبناء علاقات وثيقة مع روسيا وإيران وتركيا وباكستان سيوفر لها بدائل عن السلاح والغطاء السياسي الغربي، وسيخفف وطأة الضغوط الدولية.
وتراهن الخرطوم بأن خيار الحسم العسكري رغم كلفته، سيتيح لها في النهاية مزايا اقتصادية ولا سيما في الثروات المعدنية التي تملكها السودان وخاصة الذهب الذي تتوقع الخرطوم أن يجذب استثمارات عربية كبرى من السعودية وتركيا وباكستان وحتى الصين، ما سيوفر لها تدفقا نقديا دائما سيعينها على إعادة بناء ما دمرته الحرب دون انتظار المساعدات الدولية.
والتوجهات هذه وإن كانت فاقمت المخاوف من امكان سحب خطة «الآلية الرباعية» من الطاولة الدولية، إلا أن الخرطوم تقول إن لديها بدائل سياسية جاهزة وهي خارطة الطريق السودانية – السودانية، والتي تضمنتها الرؤية المقدمة إلى الأمين العام للأمم المتحدة والتي تقوم على مبدأ الحوار السوداني الخالص دون الإملاءات الخارجية والتركيز على وقف إطلاق للنار يتبعه انسحاب قوات الدعم السريع من المدن، ثم حوار وطني جامع، مع إعادة تفعيل مخرجات منبر جدة، خصوصاً فيما يتعلق بانسحاب الدعم السريع من منازل المواطنين والمرافق العامة.
لكن هذه الخطة تبقى غير مقبولة في الداخل السوداني من أطراف عسكرية وسياسية، ما يجعل تنفيذها على الواقع أمرا مستحيلا دون حسم عسكري كامل، سيكون مكلفا وسيطيل أمد الحرب.
أما الرهان على ما بناه الجيش من علاقات استراتيجية متينة مع دول كبرى سيوفر له الغطاء السياسي والسلاح بعيداً عن الضغوط الدولية، يبقى ضعيفا كون هذه المسار أنتج في الواقع شبكة مصالح جعلت من استمرار الجيش في السطلة خيارا غير مقبولا لواشنطن وحلفائها.
