بدرٌ يتجدّد في زمن العواصف… قراءة في خطاب السيد القائد حول معركة الوعي والمصير
هاشم عبدالجليل جحاف
في زمنٍ تتكاثر فيه العواصف فوق سماء المنطقة، وتتصاعد فيه المواجهات على نحوٍ غير مسبوق، يعود التاريخ ليطلّ من جديد لا كذكرى تُروى، بل كدرسٍ يُستعاد، وكبوصلةٍ تهدي الحاضر في لحظةٍ تتشابك فيها خيوط السياسة بالصراع الوجودي. وفي هذا السياق جاء خطاب السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي مستحضراً واحدة من أعظم اللحظات الفاصلة في التاريخ الإسلامي: غزوة بدر الكبرى، ليضع الأمة أمام مرآة التاريخ وهي تواجه أخطر تحدياتها في العصر الحديث.
لم يكن استدعاء بدر في هذا الخطاب مجرد تذكيرٍ بواقعةٍ مضت في صفحات التاريخ، بل كان قراءة استراتيجية للحاضر، ومحاولة لإعادة تشكيل وعي الأمة في مواجهة ما وصفه بطغيان العصر واستكباره، حيث تتقاطع مشاريع الهيمنة مع صراعٍ مفتوح يستهدف هوية الأمة ووجودها ومستقبلها.
بدر.. حين يتحول التاريخ إلى طاقة نهوض
أكد السيد القائد أن ذكرى بدر هذا العام تحمل دلالة استثنائية، لأنها تتزامن مع مرحلةٍ تعيش فيها الأمة الإسلامية مواجهة ساخنة مع المشروع الصهيوني ومن يقف خلفه من قوى الهيمنة العالمية.
فبدر لم تكن مجرد معركة عسكرية محدودة، بل كانت لحظة تحولٍ تاريخية قلبت موازين القوى، ورسّخت في الوعي الإسلامي حقيقةً كبرى مفادها أن الإيمان الصادق والوعي العميق والإرادة الصلبة قادرة على صناعة النصر حتى في أكثر اللحظات اختلالاً في موازين القوة.
ومن هذا المنطلق شدَّد على أن الدرس الأبرز الذي ينبغي أن تستحضره الأمة اليوم هو أن تكون أمةً حرة مستقلة، تستمد قرارها من هويتها الإسلامية، وترفض أن تتحول إلى تابعٍ في معادلات القوى الدولية.
أوهام الدبلوماسية.. حين تتحول المؤسسات إلى غطاء للظلم
وفي قراءة ناقدة لمسار العقود الماضية، أشار السيد القائد إلى أن التجارب أثبتت عجز الخيارات الدبلوماسية والرهان على المؤسسات الدولية عن حماية حقوق الأمة أو ردع العدوان عنها.
فالخطاب الغربي الذي يتحدث عن الاستقرار العالمي والمصالح المشتركة، ليس بحسب توصيفه سوى واجهة خطابية تخفي وراءها مشروعاً واضحاً للسيطرة والهيمنة، هدفه إحكام القبضة على العالم الإسلامي وتحويله إلى مجالٍ مفتوحٍ للنفوذ والنهب.
المشروع الصهيوني.. صراع وجود لا خلاف حدود
وفي توصيفه لطبيعة الصراع، شدد السيد القائد على أن الكيان الصهيوني لا يتعامل مع المنطقة بمنطق التعايش أو التسويات، بل بمنطق السيطرة المطلقة.
فما يُطرح تحت عناوين إعادة تشكيل الشرق الأوسط أو مشروع إسرائيل الكبرى، يكشف بوضوح أن المسألة تتجاوز النزاعات السياسية التقليدية لتصل إلى مشروعٍ توسعي يسعى إلى فرض الهيمنة على المنطقة بأسرها.
وما يجري في قطاع غزة، وما سبقه من عقود طويلة من الاحتلال منذ قيام إسرائيل، يمثل في نظره دليلاً صارخاً على طبيعة هذا المشروع الذي يقوم على القتل والإبادة ونهب الحقوق ومصادرة إرادة الشعوب.
إيران في قلب الاستهداف
وتوقف الخطاب عند العدوان الأخير على إيران، معتبراً أن استهدافها ليس حادثة عابرة، بل جزء من خطة أوسع تهدف إلى إضعاف القوى التي تمثل عنصر توازنٍ في المنطقة.
وأشار إلى أن اغتيال مرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي يمثل جريمة كبرى ومحاولة لإحداث تحوّلٍ استراتيجي في موازين القوى، مؤكداً أن مثل هذه المحاولات لن تكسر إرادة الشعب الإيراني ولن تنجح في إسقاط النظام الإسلامي.
كما شدد على أن للشعب الإيراني دوراً مهماً في دعم قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وصمود فلسطين، وهو ما يجعله هدفاً مباشراً للمشروع الصهيوني.
غزة.. خط الدفاع الأول عن الأمة
وفي سياق حديثه عن مسار الصراع، أكد السيد القائد أن الشعب الفلسطيني كان عبر العقود الخندق الأول في الدفاع عن الأمة، وأن ما تشهده المنطقة اليوم من أزمات متلاحقة إنما هو نتيجة مباشرة لتخاذل كثير من الأنظمة عن نصرة غزة وتركها تواجه العدوان منفردة.
وأشار إلى أن هذا التخاذل لم يتوقف عند حدود الموقف السياسي أو الإعلامي، بل وصل في بعض الحالات إلى المشاركة غير المباشرة في حماية العدو عبر اعتراض الصواريخ والمسيرات التي تستهدفه.
معركة الوعي.. الجبهة التي لا تقل خطورة
وفي جانبٍ بالغ الأهمية من خطابه، حذر السيد القائد من حرب التضليل التي تُمارس ضد شعوب المنطقة، حيث تسعى بعض القوى الإعلامية والسياسية إلى تصوير الصراع وكأنه مجرد نزاعٍ بين دول، لا معركة مصيرية تمس هوية الأمة ومستقبلها.
وأكد أن هذه الحملات تهدف إلى تثبيط الشعوب وصرفها عن مسؤولياتها التاريخية في مواجهة مشروع الهيمنة.
نداء اليمن.. حضور يليق ببدر
وفي ختام خطابه وجّه السيد القائد دعوة مباشرة إلى الشعب اليمني للخروج المليوني يوم الجمعة تأكيداً لثبات الموقف اليمني في نصرة الشعب الفلسطيني وأحرار الأمة، وفي مقدمتهم المقاومون في لبنان وساحات المواجهة الأخرى.
وأكد أن من المهم أن يكون هذا الخروج عظيماً في صنعاء وبقية المحافظات، بما يعكس حجم الوعي الشعبي والمسؤولية التاريخية تجاه قضايا الأمة.
وشدد على أن هذا الحضور الجماهيري ليس مجرد فعالية سياسية عابرة، بل هو جزء من الجهاد والموقف الإسلامي، ورسالة واضحة في توقيتٍ بالغ الحساسية، تتزامن مع ذكرى عظيمة من تاريخ الأمة.
بدر الجديدة.. حين يصنع الوعي معادلة النصر
في المحصلة، رسم الخطاب صورة لمواجهةٍ كبرى تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، معتبراً أن ما يجري اليوم هو صراع بين مشروعين متناقضين: مشروع الهيمنة والاستكبار، ومشروع التحرر والكرامة.
وفي زمنٍ تتغير فيه موازين القوة وتُعاد فيه صياغة خرائط المنطقة، يبقى الدرس الذي أراد الخطاب ترسيخه واضحاً: أن استحضار روح غزوة بدر الكبرى ليس استدعاءً للماضي بقدر ما هو استنهاضٌ لقيم الإيمان والوعي والثبات.
فالتاريخ كما يثبت في كل مرحلة فاصلة لا يكتبه الأقوياء وحدهم، بل تكتبه أيضاً الشعوب التي تعرف قضيتها، وتثبت على موقفها، وتمتلك الشجاعة لتصنع قدرها في اللحظة الحاسمة.
