في اللحظةِ التي تظنُّ فيها الإمبرياليةُ الأمريكيةُ أنها أحكمت قبضةَ التضليلِ على وعي الشعوب، وبنتْ أسوارًا من الزيفِ حولَ قلاعِها المتهالكة، يأتي النصُّ القرآنيُّ ليضعَ موازينَ القسطِ أمامَ هذا الطغيان الماديّ.
فقول الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ليس مُجَـرّد إخبارٍ عن مآلاتِ الآخرة، بل هو سنةٌ إلهيةٌ جاريةٌ في الاستدراجِ والبيان، تضربُ عروشَ المستكبرين كلما أوغلوا في الفسادِ وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله.
واليوم، يتجلى هذا المشهدُ في ملف “ترامب-إبستين”، الذي لم يعد مُجَـرّد قضية جنائية عابرة، بل هو “محشرُ فضيحة” يعري الجوهر الحقيقي للنخبة الحاكمة في واشنطن، ويقدمُ برهانًا ساطعًا على سقوطِ الأقنعةِ الأخلاقيةِ التي طالما تشدّق بها الغرب.
إن التحليلَ العميقَ لهذه العلاقة المشبوهة يكشف أننا لسنا أمام سقطاتٍ فرديةٍ معزولة، بل نحن أمام “منظومة سقوط” متكاملة الأركان.
ترامب، الذي يقدم نفسه كمنقذٍ لـ”أمريكا العظيمة”، وجيفري إبستين، الذي كان يمثل “السمسار القذر” لهذه النخبة، هما في الحقيقة وجهان لعملةٍ واحدةٍ تعكسُ مآل الحضارة المادية حين تنفصلُ عن هدي السماء وتتحولُ إلى غابةٍ من الشهواتِ والابتزاز السياسي.
إنها “جزيرة الشيطان” التي أرادوا لها أن تكون خافيةً عن الأعين، لكن السنن الإلهية التي لا تحابي أحدًا قضت بأن تُهتكَ الأستار في التوقيت الذي تتبجحُ فيه الإدارة الأمريكية بالدفاع عن “حقوق الإنسان” وتوزعُ شهاداتِ “النزاهة” على دول العالم، فإذا بها غارقةٌ من أخمصِ قدميها إلى هامةِ رأسِها في وحلِ المتاجرةِ بالأعراضِ واستعباد القاصرين.
هذه الفضيحة تضعنا أمام وحدة موضوعية جوهرية: وهي أن القيادة الأمريكية الغارقة في وحل الرذيلة والارتهان للشهوات الدنيئة لا يمكن أن تكون مؤتمنةً على قيادة البشرية أَو تقرير مصير الشعوب.
ترامب، الذي صارعُ للعودة إلى البيت الأبيض، يجرُّ خلفه أثقالًا من “السيئات التي بدت”، وهي سيئاتٌ تتجاوزُ الشخصَ لتضربَ شرعيةَ النظام؛ فنظام الابتزاز الذي كان يديره إبستين لم يكن مُجَـرّد نزوة، بل كان المحركَ الخفيَّ لولاءاتٍ وقراراتٍ سياسيةٍ كبرى، مما يجعل من “الديمقراطية الأمريكية” مُجَـرّد واجهةٍ براقةٍ لواقعٍ مظلمٍ تُدار فيه الدولة عبر الغرف المغلقة والملفات القذرة التي تُستخدمُ كسيوفٍ مصلتةٍ على الرقاب.
من المنظور القرآني، ندرك أن هذا التهاوي المتسارع ليس صدفةً تاريخية، بل هو مصداقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فكيف بمن يمارسها ويجعلها منهجًا لإخضاع الخصوم وبناء التحالفات الشيطانية؟ إن أمريكا اليوم تعيش حالة “الاستدراج” الإلهي، حَيثُ فُتحت عليهم أبواب كُـلّ شيء من القوة والمال والسيطرة، حتى إذَا فرحوا بما أوتوا وظنوا أنهم ملكوا ناصية التاريخ، جاءت “صاعقة الفضيحة” لتكشف عوارهم الأخلاقي أمام المستضعفين في الأرض، وتثبت أن “البيت الأبيض” بات محكومًا بمنطق العصابات التي تسترُ عيوب بعضها ببعض، لا بمنطق الدول التي تحترم كرامة الإنسان.
لقد كشف ملف “ترامب-إبستين” أن القوة العسكرية والاقتصادية لا يمكن أن تحمي أُمَّـة انفرط عقدُ قيمها، وأن “الاستكبار في الأرض” مآله الصغار والذلة.
إننا أمام مشهدٍ قرآنيٍّ مهيب يعيد تعريف الصراع؛ فهو ليس صراعًا بين دولٍ فحسب، بل هو صراعٌ بين الحق الذي يمثله الالتزام بالفطرة والقيم، والباطل الذي تمثله النخبة الأمريكية التي تحولت إلى رمزٍ للتحلل والانحطاط.
وما يشهده الداخل الأمريكي من انقسام وتآكل ليس إلا ارتداداتٍ لهذا الزلزال الأخلاقي، فالحضارات التي تُبنى على الظلم والفاحشة وتتخذُ من الطاغوتِ قبلةً لها، تحمل بذور فنائها في أحشائها، وما بدا من سيئات أعمالهم اليوم ليس إلا مقدمةً لزوالٍ حتمي، وسقوطٍ مدوٍ في مزبلة التاريخ، حَيثُ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون، ولا تملك “الترسانات النووية” ردَّ قضاءِ الله حين يأتي أمره.
الخاتمة: إن ملف ترامب وإبستين هو الرصاصة الأخلاقية التي أصابت قلب الليبرالية في مقتل.
إنه إعلان فشلٍ ذريع لنموذج “الإنسان الغربي المتفوق” الذي تحول في مخادع إبستين إلى كائنٍ منزوع الكرامة.
إنها الحقيقة التي تصرخُ في وجه المبهورين بالغرب: أن هذا هو “طاغوت العصر” الذي يجبُ الكفرُ به وبقيمِه المزيّفة، لكي تستقيمَ حياةُ البشريةِ على منهجِ الحق والعدل الإلهي.
وبالتأكيد، فإن غدَ الشعوب الحرة هو الصبحُ الذي سيبددُ ظلماتِ هذه النخب الفاسدة، وإن الصبحَ لقريب.
Next Post
