أموال الزكاة.. كيف هزمت “مليارات الإحسان” مخططات البنك الدولي ومطابخ العدوان؟

عبد الحافظ معجب

 

على الرغم من حدة الحملات الإعلامية المسعورة والتشويهية الممنهجة التي أدارتها مطابخ العدوان ومرتزقته وأدواته لتشويه دور الهيئة العامة للزكاة، يبرز الواقع الميداني كأقوى ردٍّ يُفحم تلك الأبواق المأجورة، فما حققته وتحققه الهيئة بمثابة معركة “سيادة وتكافل” تُخاض في أحلك الظروف الاقتصادية التي يمر بها بلدنا نتيجة الحصار والعدوان.

لقد تأسست هذه الهيئة في العام 2018 بناءً على رؤية قرآنية ثاقبة للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، الذي أدرك بوعيه الإيماني أن تغييب ركن الزكاة وتحويله إلى مورد ثانوي للفساد كان جريمة كبرى ارتكبتها الأنظمة السابقة بحق الفقراء، ومنذ اللحظة الأولى لتأسيسها شرعت الهيئة في إعادة بناء جسور الثقة المفقودة بين الدولة والمكلفين، محولةً أموال الزكاة من مبالغ تُنهب في دهاليز المكاتب الحكومية إلى مشاريع إحيائية تلامس جروح المستضعفين، والنتيجة طفرة في مشاريع الإحسان الرمضانية التي أصبحت تقليداً سنوياً ينتظره مئات الآلاف، حيث وصلت موازنة هذه المشاريع في رمضان الحالي إلى أرقام فلكية بلغت أكثر من 26 مليار ريال، توزعت بين مساعدات نقدية مباشرة لربع مليون أسرة، وزكاة الفطر لقرابة 180 ألف أسرة، ناهيك عن كسوة العيد والمطابخ الخيرية، هذا الإنجاز الضخم الذي نراه اليوم في صنعاء وبقية المحافظات الحرة يمثل ثمرة لقرار شجاع أخرج الزكاة من دائرة “الجباية الظالمة” إلى رحاب “الرعاية العادلة”، فبينما كانت الأنظمة السابقة والحكومات المتعاقبة تتعامل مع الزكاة كملحق لميزانية كبار المسؤولين أو وسيلة للتربح الحزبي، نجدها اليوم تذهب إلى “دعامة الحياة” لمرضى القلب وإلى مراكز الغسيل الكلوي وإلى سجون الغارمين لتفك أغلال من أثقلتهم الديون، والفرق بين الأمس واليوم هو الفرق بين دولة كانت ترى في الفقير رقماً في كشوفات الانتخابات، ودولة تراه اليوم صاحب حقٍّ أصيل في أموال الأغنياء، عملاً بقوله تعالى “وفي أموالهم حق معلوم”، لقد استطاعت الهيئة خلال سنوات قليلة أن تضع بصمة في كل بيت محققةً أثراً غيّر خارطة البؤس التي حاول العدوان رسمها لليمنيين، مؤكدةً أن الرهان على الهوية الإيمانية هو السبيل الوحيد للانتصار على الحصار الاقتصادي الخانق.

ولم تكن هذه النجاحات مجرد صدفة بقدر ما كانت رداً استراتيجياً حاسماً هدمت به صنعاء مخططات البنك الدولي والمؤسسات النقدية الاستعمارية التي سعت لعقود إلى إبقاء اليمن تحت رحمة القروض والتبعية، عبر تجفيف منابع التكافل الداخلي وإفقار المجتمع، لقد أدركت مطابخ العدوان أن تفعيل ركن الزكاة يعني استقلال القرار الاقتصادي اليمني، لذا جن جنونهم وأطلقوا حملات التشويه، لكن ‘مليارات الإحسان’ التي نراها اليوم في الميدان أثبتت أن المال الطاهر الذي يدار بعيداً عن الوصاية الدولية يمتلك قدرة فائقة على ترميم ما دمره الحصار وتحويل المجتمع من حالة الاستجداء للمنظمات إلى حالة الاكتفاء بالذات.

وبالعودة إلى عقود من الزمن سبقت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، يبرز سؤال جوهري يتردد في أذهان اليمنيين الذين عاشوا مرارة تلك الحقبة: أين كانت تذهب أموال الزكاة؟ لقد تعاقبت أنظمة وحكومات وتراكمت ثروات هائلة في خزائن الدولة وتحت أيدي متنفذيها، بينما كان الشعب اليمني يتضور جوعاً وتفتك به الأمراض والأوبئة، دون أن نسمع عن ريال واحد من أموال المزكين وصل إلى يد فقير أو مسكين بشكل مؤسسي ومنظم، كانت الزكاة في تلك الأنظمة مغيبة تماماً عن واقع الناس، بل كانت عبارة عن مورد مالي مستباح يتم تقاسمه بين مراكز القوى والمشايخ والنافذين ولم يكن للفقراء فيها نصيب إلا ما ندر عبر فتات “الصدقات الموسمية” التي تُبذل لأغراض الدعاية السياسية المهينة، وهذا الغياب المتعمد لمقاصد الشريعة هو ما جعل الهيئة العامة للزكاة اليوم تمثل صدمة إيجابية للمجتمع، كشفت حجم الجرم الذي ارتكبه السابقون بحق ركن من أركان الإسلام، وهنا يجب أن نقف وقفة إجلال وإنصاف لقيادة الهيئة العامة للزكاة، وعلى رأسهم الشيخ شمسان أبو نشطان رئيس الهيئة، وكل العاملين والميدانيين الذين واصلوا الليل بالنهار لبناء هذه المؤسسة من الصفر، فجعلوا منها صرحاً يجسد النزاهة والشفافية في أرقى صورها، بالبساطة والقرب من الناس والنزول الميداني إلى القرى والوديان البعيدة لتلمس جراح المحتاجين، بعيداً عن المكاتب المغلقة والبروتوكولات الجوفاء، والتحية هنا تمتد بفيض من التقدير إلى “المزكين” المبادرين، من رجال المال والأعمال والتجار، الذين استشعروا مسؤوليتهم الإيمانية ووضعوا ثقتهم في الهيئة، ونقول لهم بكل فخر، “انظروا ماذا فعلت أموالكم لقد تحولت زكاتكم إلى دعامات في قلوب المرضى، وكراسي متحركة للمعاقين، ومشاتل زراعية وورش مهنية للشباب ضمن مشاريع التمكين الاقتصادي التي نقلت آلاف الأسر من ذل الاحتياج إلى عزة الإنتاج”، ولابد من الإشارة الى أن استجابة هؤلاء المزكين هي التي أمدت الهيئة بشرايين الحياة لتصل مساعداتها العلاجية إلى أربعة آلاف مستفيد بتكلفة مليار ريال، وتدعم المستشفى الجمهوري بـ 900 مليون ريال ليفتح أبوابه مجاناً للمستضعفين، لترتسم ملحمة من التكافل تجسد عظمة الشعب اليمني وحكمة قيادته التي أعادت الاعتبار لكرامة الإنسان اليمني وجعلت من “الحق المعلوم” حائط صدٍّ منيعاً أمام محاولات التجويع والتركيع التي يمارسها العدو ضد هذه الأمة الصابرة.

وعلى النقيض تماماً من هذا المشهد الإيماني والتكافلي في صنعاء ومحافظات السيادة الوطنية، يبرز التساؤل المرير والموجع، أين تذهب أموال الزكاة في المناطق الواقعة تحت سيطرة المرتزقة والاحتلال؟ والمحافظات والمدن المحتلة، لاسيما عدن ومارب وحضرموت وتعز، تضم كبرى الرؤوس المالية والبيوت التجارية الضخمة والأسواق المفتوحة التي لا تعاني من قيود الحصار والعدوان كما هو الحال في صنعاء، ومع ذلك لم نسمع عن مشروع زكوي واحد، أو سد احتياج لفقير، أو تفريج كربة لغارم في تلك المناطق، لأن أموال الزكاة هناك بدلاً من أن تذهب لمستحقيها الثمانية، تبتلعها ثقوب الفساد السوداء التابعة لحكومة الفنادق، أو تُبذر في مشاريع عبثية تخدم أجندات المحتل، بينما يرزح المواطن تحت وطأة انهيار اقتصادي غير مسبوق، وانقطاع للخدمات وارتفاع جنوني في الأسعار جعل من لقمة العيش حلماً بعيد المنال، إن الفوارق أصبحت شاسعة ولا تخطئها عين، فبينما تدشن هيئة الزكاة بصنعاء مشاريع التمكين الاقتصادي والزكاة العينية من حبوب وثمار بمليارات الريالات، يعاني سكان المناطق المحتلة من ضياع بوصلة الحقوق وتفشي الجوع في مدن كانت تُوصف بالثراء، ليفضح هذا التباين زيف الشعارات التي يرفعها المرتزقة ويعري وضعهم الاقتصادي المأزوم الذي حوّل الزكاة إلى غنيمة خاصة، متجاهلين أن الله فرضها للفقراء والمساكين الذين باتوا على امتداد شوارع تلك المدن المنكوبة بصراعات قوى العدوان ورخص المرتزقة، بالإضافة الى إن صمت العلماء ورجال الدين هناك وتواطؤ التجار مع سلطات النهب المتعددة يمثل جريمة أخلاقية وشرعية مكتملة الأركان، خصوصاً في ظل غياب أي رؤية مؤسسية لتحصيل وصرف الزكاة.

ما حققته الهيئة العامة للزكاة في صنعاء تحت ضغط الحصار وبإمكانيات محاربة يمثل معجزة إدارية وإيمانية تُثبت أن الإرادة الوطنية والقيادة الصادقة تصنع الفارق الملموس، والتجربة أكدت أن أموال المزكين عندما تصل الى أيدٍ أمينة تتحول الى مشاريع نواجه بها آثار الحرب والحصار، ورداً عملياًُ على كل مؤامرات التجويع.

 

قد يعجبك ايضا