عـــدن‮.. ‬وجدان الوحدة والتعايش الإنساني


على مرور الزمن تبقى عدن هي‮ ‬الصْرِة الممتلئة بالتنوع من كل أنحاء اليمن شرقاٍ‮ ‬وغرباٍ‮ ‬وشمالاٍ‮ ‬وجنوباٍ‮ ‬ناهيك عن كونها ترانزيت عالميا لتاريخ من التعايش الإنساني‮ ‬بين الأمم والأجيال‮ ‬فيها المسجد وفيها الكنيسة‮ ‬فيها المنزل وفيها القبر‮ ‬فيها المتجر وفيها محطة الانتظار لقطار الرحيل‮ ‬فيها الحل والترحال‮.. ‬وبين هذه العوامل الإنسانية‮ ‬يلتقي‮ ‬المسلم واليهودي‮ ‬والمسيحي‮ ‬والهندوسي‮ ‬على مائدة الإنسانية في‮ ‬انسجام محكوم باحترام الآخر والقبول بالمختلف‮…. ‬إنها عدن البهية في‮ ‬إبط البحر الأحمر وخليج عدن لتضيء جنبات التاريخ‮ ‬وتقاوم سهام الغدر التي‮ ‬تحاول النيل من الهوية اليمنية‮.. ‬إنها عدن لم تكن‮ ‬يوماٍ‮ ‬ما طاردة لعابر من البشر‮ ‬إلا من أراد بأهلها سوءاٍ‮ ‬أو شتاتاٍ‮ ‬وتفرقة‮ ‬ابتداء من المستعمر البرتغالي‮ ‬ولم تنته بالاستعمار البريطاني‮ ‬بل طاردت من أراودوا تمزيقها حتى وهم ابناؤها الذين وجدوا أنفسهم في‮ ‬مربع الاقتتال على السلطة بعد خروج المستعمر‮ ‬كل مصيبتهم‮ ‬ان أنفسهم طاوعت‮ «‬سياسة فرق تسد‮» ‬واجترحت بها خطيئة الخروج من جلد الهوية اليمنية‮.. ‬

هذه المادة الصحفية المعدة من المراجع التاريخية تحكي‮ ‬سيرة ذاتية مكانية استثنائية لأنصع مآثر اليمن وحواضرها التي‮ ‬احتضنت جينات التكوين الفكري‮ ‬والثقافي‮ ‬والتنويري‮ ‬للحركة الوطنية التي‮ ‬شهدتها الجغرافيا اليمنية خارج حدود السياسة‮ ‬لتناهض من مدينة عدن كل مشاريع التجزئة أياٍ‮ ‬كانت محلية تحت وطأة صراع المصالح بين القوى التي‮ ‬خرجت عن طورها الوطني‮ ‬أو مشاريع التجزئة الاستعمارية التي‮ ‬حاولت إحداث شروخ في‮ ‬وجه الهوية ولم تكن تعلم أنها تستعد للفظ نفسها الأخير‮.. ‬
إن من المحطات الجديرة بالقراءة‮ ‬للأهمية المعاصرة والاستراتيجية لمدينة عدن‮ ‬خلال القرنين الفائتين‮ ‬والتي‮ ‬أضافت إلى عدن‮ (‬المكان والانسان‮) ‬كاريزما وقوة حضورها الإقليمي‮ ‬والدولي‮.. ‬تتلخص حسب رؤية الكاتب والصحفي‮ ‬سامي‮ ‬أمين عطاء في‮ ‬مقال مختزل له حول عدن‮ « ‬عبقرية المكان والحقيقة الغائبة‮».. ‬في‮ ‬عوامل جغرافية وسياسية دارت في‮ ‬المحيطين الإقليمي‮ ‬والدولي‮ ‬وتتمثل المحطة الأولى في‮ ‬افتتاح قناة السويس فأعطاها أهمية أكبر‮ ‬جعلها مدينة تلعب دوراٍ‮ ‬رئيسياٍ‮ ‬في‮ ‬خطوط الملاحة الدولية اللاحق‮.‬
فيما المحطة أو العامل الثاني‮ ‬يتمثل في‮ ‬وقوع مصر تحت الانتداب البريطاني‮ ‬بعد فشل ثورة عرابي‮ ‬في‮ ‬منتصف العقد التاسع من القرن التاسع عشر‭, ‬جعلها مدينة تتوسط المسافة بين قناة السويس والهند‭, ‬وجميع هذه البلدان كانت ترزح تحت الاحتلال البريطاني‮. ‬فيما زادت أهمية مدينة عدن‮ – ‬كمحطة ثالثة‮ – ‬بعد الحرب العالمية الأولى مما جعلها نقطة إمداد ضرورية للقوات البريطانية‮.‬
وفي‮ ‬المحطة الرابعة بلغت أهمية المدينة ذروتها خلال الحرب العالمية الثانية‮ ‬وتصاعدت أهميتها بعد استقلال الهند عام1948م وخروج قوات الانتداب البريطاني‮ ‬من مصر بفعل ثورة‮ ‬يوليو1952م والتأميم اللاحق لقناة السويس عام1956م‮. (‬1‮)‬
عمق التنوع البشري‮ ‬
إن عدن لم تكن في‮ ‬منأى عن أهم مفارقة في‮ ‬الحياة الانسانية‮ (‬المكانية‮- ‬والزمنية‮) ‬ففي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬ظلت فيه حصنا منيعا‮ ‬يستهوي‮ ‬الغزاة والطغاة ليكون تاريخها ثورة مستمرة منذ الاحتلال البرتغالي‮ ‬في‮ ‬منتصف القرن الخامس عشر‮ ‬كانت انطلاقاٍ‮ ‬لمسار التعايش الانساني‮ ‬والعقدي‮ ‬والفكري‮ ‬والسياسي‮ ‬إلى جانب مركزها الإشعاعي‮ ‬التنويري‮ ‬في‮ ‬مختلف مراحل التاريخ الدولي‮ ‬ذي‮ ‬الصبغة النزاعية على أهم مناطق العالم استراتيجية وثروة‮.. ‬في‮ ‬هذا السياق‮ ‬يسترجع المؤرخ والمفكر الاجتماعي‮ ‬الدكتور حمود العودي‮ ‬ذكرياته في‮ ‬المدرسة الأحمدية بتعز مشيراٍ‮ ‬إلى علاقة عدن الداعمة للحركة الوطنية والتنويرية مؤكداٍ‮ ‬أن عدن كانت هي‮ ‬النبع الزاخر للفكر والثقافة التحررية ابتداء من احتضانها لأعرق دور النشر في‮ ‬شبه الجزيرة العربية‮ ‬ومروراٍ‮ ‬بكونها ترانزيت تصل عبرها كل الكتب الفكرية والصحف على المستوى العربي‮ ‬والدولي‮.. ‬لافتاٍ‮ ‬إلى أنه كان‮ ‬يتم تسريب الكثير من الصحف والمجلات من عدن إلى تعز‮ ‬وتحديدا إلى المدرسة الأحمدية التي‮ ‬كانت مناراٍ‮ ‬للعلم والحركة الطلابية التي‮ ‬أفضت إلى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر وكانت أول حركة طلابية في‮ ‬شبه الجزيرة العربية‮.. (‬2‮)‬
حول التنوع البشري‮ ‬والدفق الانساني‮ ‬ذي‮ ‬الهوية اليمنية قال العودي‮ ‬متحدثاٍ‮ ‬عن هروب طلاب المدرسة الأحمدية بـ(تعز‮) ‬إلى‮ (‬عدن‮): ‬عندما وصلنا‮ ‬استقبلنا في‮ ‬عدن‮ -‬التي‮ ‬كان‮ ‬يسكنها كثير من الأسر اليمنية من كل مناطق اليمن‮- ‬الإخوة في‮ ‬الاتحاد اليمني‮ ‬وتولونا بالرعاية‮ ‬هم والكثير من التجار الطيبين ومنهم بيت الأسودي‮ ‬أذكرهم بكل خير‮ ‬فكانوا‮ ‬يعطون الواحد كل‮ ‬يوم‮ (‬شلن ونصف‮).. ‬وظللنا نتردد على مقر الاتحاد اليمني‮ ‬وعلى معارفنا وأقاربنا المقيمين في‮ ‬عدن‮ ‬وكان عدد الطلاب‮ ‬يتجاوز الستين طالباٍ‮ ‬من صنعاء وتعز‮ ‬وإب وذمار وغيرها‮ ‬ولم‮ ‬يكن‮ ‬يوجد واحد منهم إلا ووجد قريبا أو معروفاٍ‮ ‬من أهل قريته أو منطقته مقيما أو تاجراٍ‮ ‬في‮ ‬عدن التي‮ ‬كانت ولم تزل موطن وقبلة اليمنيين من كل منطقة‮. (‬3‮)‬
الحركات النقابية والعمالية
كانت عدن أيضاٍ‮ ‬مركزاٍ‮ ‬للحركات النقابية والعمالية ذات البعد الوطني‮ ‬الهادف إلى وحدة اليمن أرضاٍ‮ ‬وإنساناٍ‮ ‬وكانت هذه الحركات تبدأ من بلورة الواقع إلى حقوق مطلبية لا تخرج عن الأطر الوحدوية لكنها سرعان ما تحولت إلى حركات نضالية سلمية ومسلحة وقتالية‮ ‬بفعل تصرفات وممارسات الاستعمار البغيض الذي‮ ‬لا‮ ‬يسعى إلا لتشتيت اليمنيين‮ ‬وفي‮ ‬هذا السياق‮ ‬يقول المناضل عبد الرزاق شائف في‮ ‬حوار صحفي‮ ‬سابق‮: « ‬رافق قيام الحركة العمالية والنقابية نشوء أحزاب وجمعيات لم‮ ‬يكن هدفها منذ البداية تجنيد الجماهير لخوض النضال الحاسم للتخلص من الحكم الاستعماري‮ ‬بقدر ما عبرت تلك الأحزاب عن مطالبها السياسية في‮ ‬تقرير مصير عدن والمحميات آنذاك ولم تنطلق هذه المطالبة بمبدأ تقرير المصير من رؤية وطنية شمولية تخدم بالأساس وحدة الأرض والشعب اليمني‮ ‬بقدر ما عبرت عن طموحات الاستعمار والقوى الطبقية الموالية لسياسته الرامية إلى إبقاء سيطرته الاقتصادية والعسكرية لمدى أطول تحت شعار‮ «‬استقلال شكلي‮» ‬كانت السياسة البريطانية تسارع فيه وتضع خططه ومشاريعه بدءاٍ‮ ‬من الحكم الذاتي‮ ‬لعدن ومروراٍ‮ ‬بمشروع اتحاد عدن والمحميات وانتهاءٍ‮ ‬بقيام الاتحاد الفيدرالي‮ ‬للجنوب العربي‮»..(‬4‮)‬
وفي‮ ‬إطار هذه الملامح الاستعمارية الخطيرة كان تتضح لـ(عدن‮) ‬التي‮ ‬تضم تلك الحركات الوطنية أن لعبة خبيثة‮ ‬يريدها الإنجليز من وراء سياسة‮ «‬توحيد عدن مع المحميات‮» ‬إجراء شكلي‮ ‬يستهدف خلق كيان مستقل عن اليمن‮.. ‬وتأكيداٍ‮ ‬لذلك‮ ‬يقول شائف‮:»‬ضمن هذه السياسة أخذت بريطانيا تهيئ حلفاءها من العملاء والأمراء والسلاطين لخلق مثل هذا الكيان السياسي‮ ‬الذي‮ ‬فرضت قيامه في‮ ‬فبراير‮ ‬1959م كخطوة أولى لوضع البلاد والقوى السياسية والمعارضة الوطنية أمام الأمر الواقع للتفاوض لنيل الاستقلال‮.. ‬لكن هذه اللعبة الخطيرة لم تنطل على الشعب اليمني‮ ‬وقواه الوطنية الخيرة لذلك فقد نهضت الحركة العمالية في‮ ‬مقدمة القوى والعناصر الوطنية لشجب ومعارضة هذه اللعبة منذ البداية‮ ‬إذ رفضت مشروع الحكم الذاتي‮ ‬لعدن ورفضت أيضا مشروع قيام اتحاد الجنوب العربي‮ ‬ولذلك رفعت الحركة العمالية شعار‮ »‬جلاء الاستعمار‮« ‬كمبدأ وشرط وشعار للوحدة اليمنية وشعار للوحدة العربية‮. (‬5‮)‬
ويضيف شائف‮: ‬لكن كان هناك صراع سياسي‮ ‬وتباين فكري‮ ‬بين تلك الأحزاب‮ ‬نظرا لاختلاف توجهاتها السياسية والفكرية وبالتالي‮ ‬كانت لها مواقف متباينة من القضية الوطنية ولذلك رفضت معظم الأحزاب والقوى الوطنية مشروع اتحاد الجنوب الذي‮ ‬وضعه الاستعمار البريطاني‮ ‬بهدف تجزئة اليمن‮. (‬6‮)‬
الخمسينيات‮.. ‬وفصول التجزئة
فترة الخمسينات كانت بالنسبة لعدن تمثل أعتى مراحل المواجهة ضد مشاريع التجزئة‮ ‬خصوصا والمستعمر كان قد زرع ألغام التفرقة وطمس معالم الهوية لدى الكثير من مرتزقة الداخل‮ ‬فاحتدم الصراع الداخلي‮ ‬والسياسي‮ ‬لتبدأ عدن بتكوينها اليمني‮ ‬النوعي‮ ‬صد هجمات خناجر الداخل من ناحية داخلية محلية بحتة‮.. ‬فرغم طفرة الصراع ومحاولات القوى التي‮ ‬تأثرت بالاستعمار البريطاني‮ ‬واستجابت لسياسة‮ «‬فرق تسد‮» ‬التي‮ ‬ينتهجها‮ ‬إلا أن الحركات الوطنية التي‮ ‬احتضنتها عدن بقوة التنوع أبت إلا تجاوز مشاريع تلك القوى والاستمرار في‮ ‬درب الحلم اليماني‮ ‬الوحدوي‮ ‬لاغية كل مشاريع التجزئة المتمثلة في‮ «‬الجمعية العدنية‮ – ‬وحدة عدن والمحميات‮ – ‬اتحاد الجنوب العربي‮ – ‬السلطنات بمختلف توجهاتها المصلحية‮ – ‬وحدة الجنوب العربي‮ ‬وغيرها من مشاريع التجزئة والشتات المستفزة لمشاعر الحركة الوطنية والشعب اليمني‮ «.. ‬وهذا النجاح‮ ‬يحسب لعدن التي‮ ‬كانت محطة التعايش الإنساني‮ ‬والبؤرة البصرية والجين النووي‮ ‬للهوية اليمنية التي‮ ‬لا تنطمس‮.. ‬وهو الأمر الذى كان وراء تشكيل الجبهة الوطنية المتحدة التي‮ ‬ضمت المعارضة الشعبية للسياسة البريطانية وتمثلت بالنقابات الناشئة والاتحاد اليمني‮ ‬وفئات الشباب والمثقفين‮. (‬7‮)‬
ومن الناحية الخارجية المتمثلة بالمستعمر وسياسته الهوجاء‮ ‬شهدت عدن محطات قاسية في‮ ‬الخمسينات فـ‮ « (‬في‮ ‬4‮- ‬يناير‮ ‬1954م‮): ‬بدأت بريطانيا بوضع مخطط بشأن إقامة اتحاد الجنوب العربي‮ ‬الذي‮ ‬يضم المحميات الغربية والشرقية لمستعمرة عدن‮. ‬جاءت فكرة الاتحاد في‮ ‬خطاب ألقاه الحاكم البريطاني‮ ‬على عدن‮ (‬توم هيكتبوثام‮) ‬في‮ ‬اجتماع دعا إليه سلاطين ومشايخ‮ «‬محميات عدن الغربية‮». ‬وكان هدف الاتحاد‮ -‬كما كشف عنه الخطاب‮- ‬إقامة اتحاد فدرالي‮ ‬يضم محميات عدن الشرقية‮ ‬وآخر‮ ‬يضم محميات عدن الغربية مع الإبقاء على مدينة عدن بمثابة كيان قائم بذاته ومنحه حكماٍ‮ ‬ذاتياٍ‮ ‬في‮ ‬إطار الكومنولث البريطاني‮. ‬يذكر أن الاستعمار البريطاني‮ ‬عمل على تقسيم جنوب الوطن إلى‮ ‬21‮ ‬إمارة وسلطنة ومشيخة بالإضافة إلى مستعمرة عدن‮. ‬وكان لكل منها كيانها السياسي‮ ‬والإداري‮ ‬وحدودها وعلمها وجواز سفرها وجهازها الأمني‮ ‬والمرتبطة في‮ ‬الأخير بالمندوب السامي‮ ‬البريطاني‮ ‬في‮ ‬عدن‮. (‬8‮)‬
وفي‮ (‬14‮ ‬يناير‮ ‬1955م‮) ‬بدأت التمردات القبلية ضد التواجد البريطاني‮ ‬في‮ ‬إمارة الضالع بمقتل أحد المسؤولين البريطانيين العاملين في‮ ‬عدن ويدعى‮ «‬موندي‮» ‬عند زيارته للمستشار البريطاني‮ ‬في‮ ‬الضالع على‮ ‬يد اثنين من حراسة حاكم الضالع‮ ‬تمكنا من الفرار إلى قعطبة إثر تنفيذ هذه العملية الشجاعة‮.. ‬لتشهد عدن في‮ (‬2مارس‮ ‬1956م‮) ‬تأسيس المؤتمر العمالي‮ ‬عدن‮ ‬وهو اتحاد ضم‮ ‬26‮ ‬نقابة عمالية ومهنية‮ ‬تولى قيادة الحركة العمالية في‮ ‬عدن والمطالبة بحقوقها‮. ‬وكان من أهدافه تحقيق الوحدة اليمنية‮. (‬9‮)‬
الأخطر من ذلك أن مدينة عدن منذ مطلع العام‮ ‬1958م شهدت تدفقاٍ‮ ‬غير اعتيادي‮ ‬للهجرة الأجنبية إلى المدينة بتشجيع من السلطات الاستعمارية البريطانية‮ ‬التي‮ ‬كانت في‮ ‬يناير‮ ‬54‮ ‬قد أصدرت قانوناٍ‮ ‬للهجرة‮ ‬أعطى الأولوية لهجرة الأجانب إلى عدن‮ ‬ووضع قيوداٍ‮ ‬مشددة على أبناء المحميات وشمال اليمن للحد من دخولها‮ ‬الأمر الذي‮ ‬أثار مخاوف الحركة الوطنية من أن تطبيق هذا القانون سيؤدي‮ ‬إلى‮ ‬غلبة العنصر الأجنبي‮ ‬في‮ ‬المدينة‮ ‬وكان القانون قد منح الأجانب حق المواطنة بمجرد بقائهم في‮ ‬عدن عدة سنوات‮ ‬إذ استقبلت عدن ما بين عامي‮ ‬53‮ ‬و56‮ ‬27‮ ‬ألف مهاجر أجنبي‮ ‬سنوياٍ‮ ‬بالإضافة إلى قانون الهجرة‮ ‬أصدرت السلطة البريطانية قانون الجنسية الذي‮ ‬أطلق عليه‮ «‬قانون التعدين‮» ‬حددت فيه الشخص الذي‮ ‬يحق له حمل الجنسية العدنية وممارسة الحقوق السياسية‮. ‬كما أعطى القانون حق المواطنة للبريطانيين وكل أبناء دول الكومنولث‮ ‬وحرم منها أبناء اليمن شمالاٍ‮ ‬وجنوباٍ‮.. ‬الأمر الذي‮ ‬أشعل فتيل المواجهة الحقيقية على المستوى العملي‮ ‬في‮ ‬الحركة التجارية لعدن فقد شهدت في‮ ‬22‮ ‬ابريل‮ ‬1958م إضراباٍ‮ ‬عاماٍ‮ ‬شمل مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية‮.. (‬10‮) ‬
التجزئة الرسمية
وفي‮ ‬11‮ ‬فبراير‮ ‬1959م أعلن المستعمر رسمياٍ‮ ‬عن تأسيس‮ «‬اتحاد إمارات الجنوب العربي‮» ‬وضم سلطنة الفضلي‮ ‬وسلطنة العواذل وإمارة بيحان وإمارة الضالع ومشيخة العوالق العليا وسلطنة‮ ‬يافع السفلى‮. ‬وأنشئ للاتحاد مجلس وزراء باسم‮ «‬المجلس الأعلى‮» ‬من ممثل واحد عن كل إمارة من الإمارات الست‮ ‬ومجلس تشريعي‮ ‬باسم‮ «‬المجلس الاتحادي‮» ‬من ستة ممثلين عن كل ولاية‮. ‬وعلى مدى الأعوام الأربعة التالية انضمت إلى الاتحاد كل من سلطنة لحج ومشيخة العقارب وسلطنة العوالق السفلى وولاية دثينة وسلطنة الواحدي‮. ‬وفي‮ ‬ابريل‮ ‬62‮ ‬أصبح اتحاد إمارات الجنوب العربي‮ ‬يعرف باسم‮ «‬اتحاد الجنوب العربي‮» ‬وفي‮ ‬يناير‮ ‬1963‮ ‬انضمت‮ «‬المستعمرة‮» ‬عدن إلى عضوية الاتحاد‮. ‬أما سلطنات القعيطي‮ ‬والكثيري‮ ‬والمهرة‮ (‬محميات عدن الشرقية‮) ‬فقد رفضت الانضمام إلى الاتحاد‮. ‬وبرغم ترحيب المجتمعين من سلاطين ومشايخ بما طرح إلا أنهم ما لبثوا أن اختلفوا على رئاسة الاتحاد وهو ما أجل إقامته لعدة أعوام‮ ‬إلا أن الإدارة البريطانية ظلت في‮ ‬جهودها لتحقيق ذلك مستخدمة مختلف وسائل الترغيب والترهيب‮ ‬بهدف خلق كيانات إقليمية في‮ ‬المحميات‮ ‬يتولى الحكم فيها من ترضى عنهم تمهيداٍ‮ ‬لمنحها شكلاٍ‮ ‬من أشكال الاستقلال وبالتالي‮ ‬قطع الطريق أمام الحركات الوطنية المطالبة بالتحرر التام‮. (‬11‮)‬
مدد الثورة السبتمبرية
وحول مقاومة عدن ببسالة لهذه المشاريع الخبيثة الرامية إلى فصل اليمن إلى سطلنات ودويلات تتناحر في‮ ‬ما بينها قال المفكر الاجتماعي‮ ‬الدكتور حمود العودي‮: ‬وما‮ ‬يستدعي‮ ‬الإشارة إليه‮ ‬هو أن عدن في‮ ‬تاريخ‮ ‬24‮ ‬و25‮ ‬من سبتمبر‮ ‬1962م قبل الثورة في‮ ‬صنعاء بيومين عاشت أجواء مظاهرة كبيرة جداٍ‮ ‬وشهيرة‮ ‬ضد اتحاد الجنوب العربي‮ ‬المشروع الذي‮ ‬كانت تدعمه بريطانيا لطمس الهوية اليمنية نهائياٍ‮ ‬فدخلنا في‮ ‬المظاهرة كلنا بصخب كبير وتفاعل وطني‮ ‬نادر‮.‬
وفي‮ ‬يوم‮ ‬26‮ ‬سبتمبر‮ ‬1962م وبعد‮ ‬يومين فقط من تلك المظاهرة‮ ‬قامت الثورة في‮ ‬صنعاء‮ ‬وأجواء عدن عامرة بصخب تلك المظاهرة التي‮ ‬ترفض اتحاد الجنوب العربي‮ ‬وتطرح قضية التحرير والاستقلال‮ ‬فشعر الناس بنشوة انتصار إضافية أو فاتحة انتصار اليمنيين على مشاريع الاستبداد والاستعمار والتفرقة‮.. ‬فكان الناس‮ ‬يتابعون المذياع بحماس منقطع النظير والكل‮ ‬يردد أحاديث الثورة وبياناتها وتفاصيل كثيرة‮.. ‬منها ما هي‮ ‬حقائق‮ ‬ومنها ما هو‮ ‬غير ذلك من باب تكبير الأحداث‮. (‬12‮)‬
وحول الدور النضالي‮ ‬الذي‮ ‬لعبته عدن في‮ ‬مد الثورة السبتمبرية بما كانت تذخره من نبع بشري‮ ‬نوعي‮ ‬مستنير قال الدكتور حمود العودي‮: ‬بالنسبة للعودة قصتها عجيبة‮ ‬فعندما قامت الثورة استنفر الناس جميعاٍ‮ ‬وهبوا لنصرتها‮ ‬تحت دافع هاجس الخوف من عودة نتائج‮ ‬1948م‮ ‬ونهب صنعاء والسيف الذي‮ ‬طال رؤوس النخب اليمنية‮ ‬وتحت هذه اليقظة تحركنا من عدن‮ ‬استجابة لدعوة الثوار في‮ ‬صنعاء وتعز لنصرة الثورة حيث دعوا جموع الناس وفئات المجتمع إلى الدخول في‮ ‬الحرس الوطني‮ ‬أو المقاومة الشعبية للدفاع عن الثورة بعد أن برز أعداؤها منذ اليوم الأول وهروب البدر‮.‬
مضيفاٍ‮: ‬ولم تكن عودتنا مجرد عودة طلاب‮ ‬بل عودة الشعب اليمني‮ ‬فقد عدنا مع جموع الشعب شمالاٍ‮ ‬وجنوباٍ‮ ‬والذي‮ ‬لم‮ ‬يكن في‮ ‬حسبان أحد‮ ‬إن هذا شمالي‮ ‬أو هذا جنوبي‮ ‬فالكل انطلق صوب تعز وصنعاء لنصرة الثورة والدخول في‮ ‬الحرس الوطني‮ ‬أو المقاومة الشعبية‮ ‬ليس طواعية فحسب بل وعزيمة على التضحية بالمال والنفس مقابل انتصار الثورة اليمانية الأم التي‮ ‬جاءت كثمرة لنضال اليمنيين شمالاٍ‮ ‬وجنوباٍ‮ ‬في‮ ‬الداخل أو في‮ ‬الخارج‮.. ‬إلى درجة أن الناس الذين لم‮ ‬يجدوا سيارات ومواتر تقلهم انطلقوا مشياٍ‮ ‬على الأقدام‮ .. ‬من عدن وردفان والضالع وأبين ويافع حتى وصلوا تعز وصنعاء والتحقوا بالمعسكرات‮.. ‬معسكر المقاومة الشعبية أو الحرس الوطني‮.. ‬وأتذكر أننا وصلنا تعز وذهبنا إلى القيادة وكنت أنا والأخ عبدالحميد الحدي‮ .. ‬وبعض الإخوان الذين جاءوا معنا‮ ‬وكان في‮ ‬القيادة حينها الأخ‮/ ‬صالح الأشول جهز لنا سيارة وانتقلنا إلى صنعاء وحال وصولنا التحقنا بالحرس الوطني‮ ‬وكان في‮ ‬نفس الأسبوع الأول للثورة‮. (‬13‮)‬
مؤازرة قومية
ولأن عدن كانت مركزاٍ‮ ‬لنواة التكامل والدعم الاستراتيجي‮ ‬بين فصائل الحركة الوطنية سواء الداخلية أو الخارجية‮ ‬كان التكامل في‮ ‬الداخل‮ ‬يتجسد في‮ ‬أن عدن منبع الفكر والتنوير والفئات النخبوية من الحركة الوطنية المستنيرة‮ ‬وكانت مناطق اليمن الأخرى تمطرها بالبشر المنضمين إلى صفوف الحركات المناهضة لمشاريع التجزئة الاستعمارية باستمرار سواء التي‮ ‬تستهدف تعزيز الحدود السياسية المصطنعة جهوياٍ‮ (‬شمال‮ – ‬جنوب‮) ‬وبين مستعمرات الإنجليز في‮ ‬الشطر الجنوبي‮ ‬من الوطن‮ ‬أو تلك السياسات التي‮ ‬تستهدف فصل عدن الضالع وردفان وحضرموت وأبين‮ ‬وسياسات إذكاء الصراعات بين السلطنات‮.. ‬واتجهت النخب النضالية إلى تأسيس جمعيات تعاونية من الأقاليم التي‮ ‬خارج عدن ومن كل المناطق اليمنية‮.. ‬الأهم أن ما كان‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬عدن كمركز كفاح ونضال وحركة وطنية‮ ‬يمنية لفت انتباه الحركة القومية العربية ممثلة بقائدها جمال عبد الناصر فأبى إلا الاسهام في‮ ‬إرباك المستعمر ولملمة أبناء اليمن المشردين من عدن إلى محافظات‮ ‬يمنية أخرى لفتح جبهات جديدة تعزز مركز التضحية عدن الذي‮ ‬هز‮ ‬الإمبراطورية البريطانية‮..‬
وفي‮ ‬هذا التكامل والتآزر الذي‮ ‬كانت عدن مركزه الأول‮ ‬يقول الصحفي‮ ‬المصري‮ ‬الأستاذ مكرم محمد أحمد الذي‮ ‬أطلق عليه الصحفي‮ ‬المحارب في‮ ‬اليمن كونه أول مراسل لجريدة الأهرام المصرية التي‮ ‬غطت دور القوات المصرية في‮ ‬الثورة السبتمبرية‮: ‬انتهج الزعيم العربي‮ ‬القومي‮ ‬جمال عبد الناصر تكتيكا مساندا لعدن التي‮ ‬تخوض معارك مصيرية مع المستعمر البريطاني‮ ‬قبل ثورة أكتوبر وقبل التخطيط لها‮… ‬كان هذا التكتيك بشمل فتح جبهة صلاح الدين بتخطيط ودعم منه شخصياٍ‮ ‬في‮ ‬إطار الدور المصري‮ ‬في‮ ‬اليمن دفاعاٍ‮ ‬عن النظام الجمهوري‮ ‬وحرب تحرير عدن من المستعمر‮ ‬وكان مقر هذه الجبهة في‮ ‬تعز‮ ‬وقامت حيثيات نشوئها على أهداف إرباك المستعمر وقطع الإمدادات التي‮ ‬تصل الملكيين بقيادة الغادر من إمارة بيحان وهما السببان اللذان كانا وراء ما واجهته القوات المصرية من معارك قاسية وحصار في‮ ‬المحور الشرقي‮.. ‬وأتذكر أن محمد علي‮ ‬هيثم وعلي‮ ‬ناصر محمد‮ ‬‮ ‬كانوا من قبيلة دثينة ويرأسون جمعية تعاونية من أهالي‮ ‬الأقاليم المختلفة فكانت هذه الجمعية مع جبهة صلاح الدين أشبه بالنواة التي‮ ‬تفتقت ونمت منها الجبهة القومية‮(……)(‬14‮) ‬
وحول حلم الوحدة وما عاشته عدن بعد خروج المستعمر وبروز صراع اليسار واليمين قال مكرم‮: ‬وكانت حرب التحرير التي‮ ‬تزامنت وحرب ترسيخ النظام الجمهوري‮ ‬على مدى مراحلها‮ ‬تؤكد أن الوحدة حلم قائم في‮ ‬السلم والحرب‮ ‬وكان الإخوة في‮ ‬اليسار بعدن تصرفوا تصرفات خاطئة في‮ ‬الجنوب‮ ‬والجناح المتشدد استولى على السلطة لتبدأ البلاد متوالية جديدة من الصراع‮ ‬مما أجل حلم تحقيق الوحدة‮.. ‬وهذا ما عاشته عدن بعد خروج المستعمر‮.. (‬15‮) ‬
من الاستقلال إلى الوحدة‮ ‬
‮(‬منذْ‮ ‬العام1967م ـ بعد الاستقلال ـ أخذت هذه المكانة تتلاشى رويداٍ‮ ‬رويدا‭, ‬إذ خرجت عدن عن طوق الاقتصاد الرأسمالي‮ ‬العالمي‭, ‬ودخلت منذئذ في‮ ‬كنف منظومة الاقتصاد الاشتراكيº انهارت على أثره علاقة المدينة بالاقتصاد الذي‮ ‬أسسها وأنعشها وفقدت الصلة به‮. ‬رغم أن المدينة لم تفقد ميزتها المكانية‮) (‬15‮).. ‬ورغم ما شهدته عدن من صراعات سياسية دامية بعد الاستقلال إلا أنها ظلت عامرة بالهاجس الوحدوي‮ ‬الذي‮ ‬يغمر أناسها العاديين خارج نظم السياسة‮ ‬خصوصاٍ‮ ‬وساكنوها من كل مناطق اليمن التي‮ ‬أصبحت مفصولة عن عدن بحدود سياسية شطرت الأسرة اليمنية بعد ثورتي‮ ‬سبتمبر وأكتوبر‮ ‬وظلت عدن بجماهيرها الرافضة للصراع طوال فترة السبعينات والثمانينات تزداد تمسكاٍ‮ ‬بحلم الوحدة‮ ‬وسرى هذا الوجدان في‮ ‬كل القيادات الوطنية التي‮ ‬أحست بخطر استمرار الصراع الدامي‮ ‬على اليمن وعلى سمعة عدن‮ ‬بعد أن دخل الصراع منعطف الاقتتال‮ ‬الذي‮ ‬انتهى بمجزرة‮ ‬يناير‮ ‬86م‮ ‬ليبدأ العد التنازلي‮ ‬الحقيقي‮ ‬لإعلان مشروع الوحدة ورغم حل المشاكل والمعاناة ظلت عدن هي‮ ‬المكان العصي‮ ‬على الانكسار فكانت المنصة التي‮ ‬رفعت منها سارية علم الوحدة في‮ ‬يوم الثاني‮ ‬والعشرين مايو‮ ‬1990م‮.. ‬

(‬المراجع‮ ) ‬
1‮-‬ ‮(‬عدن عبقرية المكان والحقيقة الغائبة‮) ‬سامي‮ ‬أمين عطا‮ ‬http‭://‬adenalghad.net/news/32067‭/ ‬
2‮ -‬صحيفة الثورة‮.. ‬المؤرخ والمفكر الاجتماعي‮ ‬الدكتور حمود العـــــــودي‮: ‬http‭://‬www.althawranew.net/index.php?action=showDetails&id=6885
3‮- ‬نفس المصدر‮.‬
4‮-‬ صحيفة الثورة‮.. ‬المناضل عبد الرزاق شائف‮ ‬http‭://‬www.althawranew.net/index.php?action=showDetails&id=7‭ ‬683
5- نفس المصدر‮ ‬
6‮-‬ نفس المصدر
7‮-‬ ثورة‮ ‬14‮ ‬اكتوبر تسلسل تاريخي‮ – ‬مركز البحوث والمعلومات‮. ‬سبأ‮ – ‬عبد الملك الثور‮: ‬http‭://‬www.sabanews.net/ar/news226267‭.‬htm
8- نفس المصدر
9‮-‬ نفس المصدر
10‮-‬ نفس المصدر
11‮-‬ نفس المصدر
12‮-‬ صحيفة الثورة‮.. ‬المؤرخ والمفكر الاجتماعي‮ ‬الدكتور حمود العـــــــودي‮: ‬http‭://‬www.althawranew.net/index.php?action=showDetails&id=6885
13- نفس المصدر
14‮-‬ ‮(‬عدن عبقرية المكان والحقيقة الغائبة‮) ‬سامي‮ ‬أمين عطا‮ ‬http‭://‬adenalghad.net/news/32067‭/‬
15- نفس المصدر
16‮-‬ كتاب‮ (‬حرب تحرير الجنوب‮) ‬للمؤلف المصري‮ ‬مكرم محمد أحمد‮ «‬الصحفي‮ ‬المحارب في‮ ‬الليمن‮. ‬واستخلاص بتصرف من حديث صحفي‮ ‬حصري‮ ‬لصحيفة الثورة‮..‬
‮ ‬mibrahim734777818@gmail.com‭ ‬

قد يعجبك ايضا