
وفاء الكبسي
لم تكن خطواتها إلى ساحة الكلية الحربية مجرد خطوات امرأةٍ جاءت للمشاركة في فعالية؛ كانت كل خطوةٍ منها حكايةَ قلبٍ تعلّق برسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأراد أن يكون حاضرًا في يومٍ تُرفع فيه رايات المحبة والوفاء.
من إحدى قرى محافظة صنعاء، جاءت الأم المؤمنة المجاهدة أم عمار إلى ساحة الكلية الحربية للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، تحمل معها حبًا أكبر من تعب الجسد، وعزيمةً أقوى من ثقل القدمين.
كانت الإعاقة تثقل حركتها، والقدمان لا تساعدانها على المسير بسهولة، والجسد يحمل نصيبه من التعب والمشقة؛ لكن شيئًا في قلبها كان يقول لها: امضي.
فمضت..لم يُثنِها تعب الجسد، ولا ثقل القدمين، ولا مشقة الطريق؛ لأن المحبة الصادقة لا تقيس الطريق بطوله، ولا الحضور بسهولته، وإنما تقيسه بما يحمله القلب من وفاء.
جاءت أم عمار إلى المولد النبوي الشريف لتقول بصمتها قبل كلماتها: إن رسول الله محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس ذكرى عابرة في الذاكرة، بل محبةٌ تسكن الوجدان، وموقفٌ يترجم في الحياة.
وفي ذلك المشهد، بدا الجسد المتعب صغيرًا أمام عظمة الإرادة؛ فقد تعجز القدم عن المسير، لكن القلب إذا امتلأ محبةً لا تعجزه المسافات.
لم تكن أم عمار تبحث عن لفت الأنظار، ولم تأتِ لتُقال عنها الكلمات؛ جاءت لأنها أحبت أن تكون بين المحبين، في ساحةٍ يصدح فيها الناس بالصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهنا تكمن عظمة المشهد، امرأةٌ أثقلها الجسد، لكن لم يثقلها الوفاء. تعبت قدماها، ولم يتعب قلبها، شقّ عليها الطريق، ولم تشقّ عليها المحبة.
إنها صورةٌ تختصر معنى الوفاء حين يتحول من شعورٍ في القلب إلى موقفٍ في الميدان.
ومن أمام هذا الموقف، تشرفت اللجنة التحضيرية النسائية للمولد النبوي الشريف بأمانة العاصمة بزيارة الأم المؤمنة المجاهدة أم عمار وتكريمها بدرع الوفاء؛ عرفانًا بموقفها الذي تجاوز مشقة الجسد، وجسّد معنى المحبة الصادقة للمصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
لم يكن الدرع تكريمًا لامرأةٍ حضرت فعالية فحسب، بل كان تحيةً لقلبٍ لم تمنعه مشقة الجسد من أن يحضر، ولإرادةٍ انتصرت على العجز، ولروحٍ قالت بالفعل قبل القول: نحن هنا حبًا برسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ستبقى أم عمار، وهي تخطو بثقل قدميها نحو ساحة المولد، صورةً من صور الوفاء التي لا تحتاج إلى كثير كلام؛ فقد تمشي الأقدام ببطء، لكن حين يقودها الحب، تصل القلوب قبل الخطى.
