إعصارُ النَّبْضِ وَالدَّمِ.. وِاحِدِيَّةُ المَجْزَرَةِ فِي حَرْبِ الثَّالُوثِ العَالَمِيِّ ضِدَّ الطُّفُولَةِ

محمد عبدالله الخربي

يَمْشِي الصِّغَارُ إِلَى المَدَارِسِ..
يَسْقُطُونَ عَلَى الرَّصِيفِ..
وَيَكْبُرُونَ عَلَى مَهَلْ.
كَمْ كَانَ عُمْرُكَ حِينَ صَارَتْ طَائِرَاتُ الغَزْوِ
أُغْنِيَةَ الصَّبَاحِ؟
لَمْ يَتْرُكُوا لَكَ غُرْفَةً لِلنَّوْمِ..
لَمْ يَتْرُكُوا لَكَ لُعْبَةً..
لَكِنَّ هَذَا الطِّينَ فِي كَفَّيْكَ.. يَبْتَكِرُ….محمود درويش
حين يغدو الموتُ الهويةَ الوحيدة التي يمنحها الطغاةُ للشعوب، تصبح الكلمة فريضة، ويتحول الحبر في محابر الأحرار إلى بارود مقدّس يذود عن حياض الذاكرة. من هنا، من جغرافيا الوجع المعمّد بالنار والرماد، من يمن الصمود العصيّ على الانكسار، لا أكتب اليوم لمجرد ملء السطور أو رثاء الأطلال، بل أكتب بمداد من غضب الأمهات، وبأحلام الأطفال التي تطايرت شظايا في فضاءات مشرقنا المستباح.
إنها كتابة في ‘واحدية الجرح’ ونحيب الثكالى، صرخة صحفية في وجه زمن سقطت فيه الأقنعة وتعرّت فيه عواصم التشدق بحقوق الإنسان، ليتبدى للعالم بأسره كيف تلاحمت مخالب ‘ثالوث الشر والغطرسة والإرهاب’ (واشنطن، تل أبيب، والرياض) في حلف شيطاني أثيم. لقد غدت المجزرة الممنهجة في قاموس هذا الثالوث لغة مشتركة يتحدثها القتلة بطلاقة منقطعة النظير، وصارت دماء الأطفال في اليمن وفلسطين ولبنان وإيران تنزف من الشريان الإنساني نفسه، لترسم في أفق تضحياتنا أروع ملاحم الكبرياء، وتسطر وثيقة إدانة أبدية لضمير عالمي مات وشُيِّع إلى مثواه الأخير في مقابر المنافقين.
المحور الأول: بياض الأعراس المتفحم.. تآخي الدم في سنبان وسيريك
تأملوا هذا التناظر المرعب في القتل الممنهج، وكيف يتطابق عقل ‘ثالوث الشر’ في تحويل واحات الفرح إلى مقابر صامتة يكسوها الرماد. في عالمهم المتوحش، تغدو البهجة جناية يستحق أصحابها الإبادة، وتتحول ثياب الزفاف البيضاء إلى أكفان مستباحة. من هنا بدأت الفاجعة؛ من عرس سنبان في ذمار اليمنية، حيث دمر الطيران السعودي سقف الحياة فوق رؤوس المدنيين، لتختلط زغاريد الأمهات بنحيب الفقد الأبدي. يقول أحد المسعفين والدموع تخنق نبرته: ‘كنا نجمع أشلاء الأطفال من فوق أطباق الحلوى التي وُزعت قبل دقائق من الغارة’. وهناك، سطر الطفل النابغة عبدالله السنباني وثيقة إدانة بليغة بجسده الغض الذي غطته الحروق الشديدة.
ولأن القاتل واحد والعقيدة الإجرامية واحدة، تكرر السيناريو ذاته في المقلب الآخر، حين وجّهت القيادة المركزية الأمريكية صاروخ كروز شديد الانفجار، ليتسلل في عتمة الليل ويدك حفل زفاف لعائلة ‘ملاحي’ في بلدة سيريك بمحافظة هرمزغان الإيرانية. هناك، حيث كانت النساء والأطفال ينتظرون زفة العروسين، باغتهم الموت الأمريكي ليمزق جسد الطفل الصغير أمير علي كريمي ابن الأعوام الأربعة. إن امتزاج دماء أطفال سنبان بدماء أطفال سيريك هو التجسيد الحي لـ ‘واحدية المجزرة’، التي تثبت أن الصاروخ المصنوع في أمريكا لا يفرق بين طفل يمني يرتدي قميص العيد، وطفل إيراني يلهو في فناء عرس عائلته.
المحور الثاني: سياط الصهيونية فوق مهد البراءة.. إبادة الطفولة من غزة إلى جنوب لبنان
إذا كان الضلع الأمريكي والأدوات الإقليمية قد تخصصوا في طعن الأفراح واغتيال الأعراس، فإن الضلع الصهيوني في هذا الثالوث يمثل ذروة السادية البشرية، بجعله أجساد الأطفال الخُدّج وأسِرّة الرضع أهدافاً عسكرية مشروعة. التفتوا معي نحو غزة العزة؛ هناك لم يعد الموت مجرد غارة عابرة، بل غدا إبادة جماعية معلنة وسحقاً متعمداً لجيل بأكمله. أكثر من واحد وعشرين ألف طفل شُطبت ضحكاتهم وسُحقت عظامهم الصغيرة تحت الأنقاض. رضعٌ استشهدوا في غرف الخدج لانقطاع الأكسجين، وأطفال ناموا جوعى يملأ الطين بطونهم الخاوية جراء حصار وتجويع يندى له جبين الإنسانية الخرساء.
ومن غزة، يمتد هذا الخيط الدموي الصهيوني كالأفعى السامة ليزرع الموت في أزقة النبطية، وحارات صور، وقرى جبشيت الأبية بجنوب لبنان. هناك، تقصف طائرات أف-35 الأطفال في غرف نومهم وفي خيام نزوحهم وفي فناء مدارسهم المهدّمة. كم هو مفجع وقاسٍ هذا المشهد الذي وثقته أمهات لبنان، حين تحولت أجساد ‘حبات القلوب’ إلى أشلاء متناثرة بفعل صواريخ وقنابل عنقودية محرمة دولياً، يتركها الاحتلال خلفه لتستمر في حصد أرواح الصغار وهم يلهون أمام منازلهم.
المحور الثالث: أرض السعيدة المثخنة.. فواجع ضحيان ومدرسة المكفوفين
نعود إلى اليمن، مهد الحضارة وأرض السعيدة التي أراد لها ثالوث الإرهاب أن تتشح بالسواد، لكنها أبت إلا أن تتوضأ بدم الشهادة وتغتسل بالكبرياء. هنا لم يكن القصف السعودي مجرد خطأ عسكري، بل كان حقداً منظماً استهدف سحق الحياة في مهدها. التفتوا بقلوبكم إلى مدينة ضحيان في صعدة، لتشهدوا أبشع ما قيدته ذاكرة الوجع الإنساني؛ مجزرة الحافلة المدرسية. كان الأطفال في عمر الورد، يحملون حقائبهم الملونة، فإذا بصاروخ حاقد يمزق الحافلة ويحيلها إلى ركام من حديد ولحم مدني متفحم، ليرتقي 51 شهيداً، من بينهم أربعون طفلاً دون سن الخامسة عشرة. هناك وُجد كشكول رسماً لأحد التلاميذ مخضباً بالدماء وبداخله نصف رغيف خبز جاف، وبقيت الحقائب الممزقة معلقة في ضمير السماء.
ولم يقف قطار الموت عند هذا الحد؛ بل لاحق الأطفال في ملاذاتهم الأكثر ضعفاً وضياءً. في صنعاء، طالت الغارات الجوية مباشرة مركز ومدرسة النور للمكفوفين، لتهدم سقف السكن الداخلي فوق رؤوس أطفال حُرموا من نعمة البصر، فجاء طيران العدوان ليحرمهم من نعمة الأمان. ولم تكن سنبان وحدها الضحية، بل سبقتها مجزرة عرس واحجة في المخا بتعز، التي أسفرت عن ارتقاء 131 شهيداً جلّهم من النساء والأطفال، ومجزرة عرس بني قيس في حجة التي خطفت العروس وحصدت أرواح أكثر من 30 مدنياً، لتتلاقى هذه الأرقام المحلية وتتجاوز وفق تقارير اليونيسف 11,000 طفل يمني بين قتيل وجريح جراء هذا العدوان الغاشم.
الخاتمة: صرخة الثرى وبشارة الفجر
أمام هذا المشهد الدموي المتكامل الأركان، تسقط آخر ورقة توت كانت تواري عورة المجتمع الدولي المنافق. إن واحدية المجزرة تكشف للعالم أجمع أننا لا نواجه أعداءً متفرقين، بل نواجه ثالوثاً إرهابياً موحد العقيدة والسلوك. لكننا نرسلها من قلب اليمن العصيّ صرخةً مدوية تلتحم بصدى البنادق وأقلام الأحرار: إنكم واهمون! إن دماء أطفالنا في ضحيان، ومدرسة المكفوفين، وأعراس سنبان وواحجة وبني قيس، وفي غزة ولبنان وإيران، ليست ماءً يتبخر، بل هي قنابل موقوتة في ذاكرة الأجيال، ونور إلهي يضيء درب محور المقاومة.
لن تغسل أموال الدنيا رماد وجوه ضحايانا، ولن يمحو تقادم السنين ملامح القتلة والمجرمين. سنظل نكتب، ونوثق، ونقاوم، بالكلمة الصادقة والبندقية الطاهرة، متمسكين بالعهد الإلهي المكتوب بالنور والدم: أن الأرض يرثها العباد الصالحون والشهداء والفقراء، وأن طغيان هذا الثالوث إلى زوال مخزٍ قريب، وأن فجر الحرية والسيادة قادم لا محالة، ولو رغمت أنوف الطغاة والمستكبرين.

قد يعجبك ايضا