كانت مع طفليها أثناء زيارة زوجها السجين في الإصلاحية المركزية في حزم الجوف، لكنها لم تكن تعلم أن الموت في انتظارها هناك ليحصد روحها مع الزوج والأولاد. هذه هي قصة نهاية أسرة يمنية بسيطة من أبناء محافظة الجوف، والتي اختتمت بهذه النهاية المأساوية الأسبوع الماضي، والسبب كالمعتاد صواريخ العدوان السعودي الذي يفتك بحياة المدنيين وفي مقدمتهم النساء والأطفال.
الثورة / خاص

إنها ليست حادثة عابرة أو إصابة جانبية، وانما جرح غائر في جسد الإنسانية، وانتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي الإنساني الذي ينص بوضوح على حماية المدنيين والمحتجزين في أوقات النزاعات المسلحة. فما حدث في حزم الجوف ليس إلا مثالًا حيًا على استهتار النظام السعودي بهذه القواعد، وتجاهله لكل المواثيق الدولية التي وُجدت لتكون صمام أمان للإنسانية في زمن الحرب.
لقد تحولت زيارة عائلية بسيطة إلى مأتم جماعي، حيث سقطت الأم وطفلاها وزوجها السجين ضحية لصاروخ لم يميز بين جدار الإصلاحية ولا أجساد الأبرياء. إن القانون الدولي الإنساني، كما نصت اتفاقيات جنيف، يفرض على أطراف النزاع احترام حياة المدنيين، ويمنع استهداف أماكن الاحتجاز أو المؤسسات المدنية. لكن ما جرى في الجوف يفضح بجلاء أن هذه المبادئ لم تكن يومًا ضمن حسابات العدوان السعودي، الذي يواصل قصفه العشوائي بلا وازع من ضمير أو رادع من قانون.
إن المأساة التي عاشتها هذه الأسرة اليمنية ليست حالة فردية، بل هي جزء من سلسلة طويلة من الجرائم التي تطال النساء والأطفال في مختلف المحافظات. كل يوم، تُسجل منظمات حقوق الإنسان عشرات الانتهاكات التي تتراوح بين القصف المباشر، والحصار المميت، والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية. وفي كل مرة، يتكرر المشهد ذاته: دماء تسيل، صرخات تتعالى، وأشلاء متناثرة، بينما العالم يكتفي بالصمت أو بيانات الإدانة الباردة التي لا توقف نزيف الأرواح.
القانون الدولي الإنساني ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو روح العدالة التي تسعى لحماية الإنسان من وحشية الحرب. غير أن النظام السعودي، عبر عدوانه المستمر، يثبت أنه يتعامل مع هذه النصوص كأوراق لا قيمة لها. فاستهداف المدنيين، وقصف السجون، وإغلاق المطارات، كلها أفعال تندرج تحت جرائم حرب مكتملة الأركان، كما يعرفها القانون الدولي. ومع ذلك، يظل مرتكبوها بمنأى عن المحاسبة، وكأن دماء اليمنيين لا تستحق أن تُدرج في سجلات العدالة الدولية.
إن قصة هذه الأسرة اليمنية البسيطة تضعنا أمام سؤال أخلاقي وقانوني عميق: ما جدوى وجود قوانين ومعاهدات إذا كان الأقوياء قادرين على انتهاكها بلا عقاب؟ وما قيمة الحديث عن حماية المدنيين إذا كان الأطفال يُقتلون في أحضان أمهاتهم، والنساء يُدفنّ تحت أنقاض بيوتهن، والرجال يُساقون إلى الموت وهم في زنازينهم؟
لقد آن للعالم أن يدرك أن الصمت على هذه الجرائم ليس حيادًا، بل هو مشاركة ضمنية في استمرارها. فكل يوم يمر دون محاسبة، هو يوم يمنح المعتدي رخصة جديدة لمواصلة القتل. وكل لحظة يتأخر فيها المجتمع الدولي عن التحرك، هي لحظة تُزهق فيها أرواح بريئة، وتُضاف مأساة جديدة إلى سجل اليمنيين الطويل مع الألم.
إن حماية المدنيين ليست خيارًا، بل هي واجب قانوني وأخلاقي. وما حدث في حزم الجوف يجب أن يكون جرس إنذار لكل من يزعم الدفاع عن حقوق الإنسان. فهذه الأسرة التي انتهت حياتها تحت صاروخ العدوان ليست مجرد أرقام في تقرير، بل هي وجوه وأسماء وأحلام قُطعت قبل أن تكتمل. هي شهادة دامغة على أن العدوان السعودي لا يفرق بين سجين وزائر، ولا بين طفل وأم، بل يرى في الجميع أهدافًا مشروعة لصواريخه.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا في ضمير الإنسانية: إلى متى سيظل القانون الدولي الإنساني مجرد كلمات على ورق، بينما تُزهق الأرواح في اليمن بلا حساب؟ وإلى متى سيظل العالم يتفرج على مشاهد الموت الجماعي وكأنها أخبار عابرة؟ إن دماء هذه الأسرة، ودماء آلاف الأسر اليمنية، ستظل تصرخ في وجه الصمت الدولي، مطالبة بالعدالة، ومؤكدة أن الإنسانية لا يمكن أن تُختزل في بيانات الشجب، بل في فعل حقيقي يوقف نزيف الحرب ويعيد للمدنيين حقهم في الحياة.
