الحصار وإغلاق المطار يعمّقان أزمة الدواء في اليمن ويهددان حياة الملايين

الاسرة/متابعات

قال  بيان لوزارة الصحة والبيئة، تلي خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدته هيئة المستشفى الجمهوري التعليمي بأمانة العاصمة  الأسبوع الفائت وتصدر الوضع الصحي واجهة الحديث، إن  نحو مليون ونصف المليون من مرضى السكري يواجهون نقصًا حادًا في أنواع أساسية من الأنسولين، وأشار البيان إلى احتياج سنوي يتراوح بين 800 ألف ومليون وحدة من الأنسولين المخلوط، مع شبه انعدام توفره، إضافة إلى احتياجات أخرى من الأنسولين الصافي وطويل المفعول وأقراص علاج السكري التي قال البيان إنها غير متوفرة منذ فترة طويلة، كما لا تتوقف المشكلة عند ندرة الصنف الدوائي، بل تتصل كذلك بظروف النقل والحفظ، فقد ذكر البيان أن نقل الأنسولين برًا، بعد إغلاق مطار صنعاء، أدى إلى انقطاع سلسلة التبريد في بعض الحالات، الأمر الذي يهدد فعالية الدواء وسلامته، ومع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، يجد بعض المرضى أنفسهم أمام سوق سوداء قد تعرض أدوية منتهية أو مغشوشة، وهو خطر يضاعف المرض بدلاً من أن يخففه.
أمراض الدم والفشل الكلوي
وتشمل قائمة الاحتياجات التي عرضتها وزارة الصحة، أدوية ومستلزمات لمرضى الهيموفيليا واضطرابات النزف، إضافة إلى علاجات الثلاسيميا والتكسر الدموي، وهرمون الإريثروبويتين المستخدم في علاج فقر الدم المرتبط بالفشل الكلوي المزمن أو العلاج الكيميائي لمرضى السرطان، كما تحدث البيان عن احتياجات من الهيبارين وهرمون النمو والغلوبيولين المناعي والألبومين ومصل ولقاح داء الكلب، وتوضح هذه القائمة اتساع نطاق الأزمة، إذ لا تقتصر على مرض واحد أو فئة محدودة، بل تمس مرضى يعتمدون على علاجات متخصصة لا تتوافر لها بدائل محلية سهلة، وفي حالة الفشل الكلوي، يرتبط العلاج بجلسات متكررة ومواعيد ثابتة، فيما يحتاج مرضى اضطرابات النزف إلى أدوية قد تكون ضرورية قبل أي إصابة أو عملية جراحية،  ولذلك فإن أي خلل في الإمدادات يضع المستشفيات والأسر أمام قرارات شديدة الصعوبة.
غرف العمليات تحت الضغط
يعد نقص أدوية التخدير والإنعاش من أكثر مظاهر الأزمة حساسية داخل المستشفيات. فالتخدير ليس صنفًا ثانويًا يمكن الاستغناء عنه، بل شرط أساسي لإجراء العمليات بأمان، ويؤكد مسؤولو هيئة المستشفى الجمهوري أن غياب هذه الأدوية قد يؤدي إلى تأجيل عمليات عاجلة، وتعطيل تدخلات جراحية، وزيادة المخاطر على المرضى الذين ينتظرون علاجًا لا يحتمل التأجيل، وتزداد التداعيات حدة في العمليات الكبرى، مثل جراحات القلب والأورام، وفي أقسام الطوارئ والعناية المركزة التي تحتاج إلى أدوية إنعاش ومستلزمات متواصلة، فالمستشفى لا يستطيع إدارة الحالات الحرجة بالاعتماد على الجهد البشري وحده، مهما بلغت كفاءة الكوادر، لأن الطب الحديث يقوم على منظومة متكاملة من الدواء والمعدات والطاقة والتخصصات.
تراجع الدعم الإنساني
وحمّل بيان وزارة الصحة والبيئة، المنظمات الإنسانية والدولية جانبًا من مسؤولية تفاقم الوضع، وأشار إلى تعليق تمويلات مخصصة للأدوية والمستلزمات الطبية، والنفقات التشغيلية، والتجهيزات، فضلًا عن توقف المواد الغذائية العلاجية والوقائية في آلاف المرافق الصحية التي تقدم خدماتها للأطفال، كما ذكر البيان أن نسبة تنفيذ خطة الاستجابة الصحية تراجعت من مستويات محدودة في السنوات السابقة إلى أقل من خمسة في المائة عام 2025م، وانعدمت، وفق رواية الوزارة، خلال عام 2026م، وأشار إلى توقف منظمة الصحة العالمية واليونيسف عن دعم مناطق واسعة، وتراجع إسهام جهات أخرى إلى عدد محدود من المرافق، مؤكدًا أن هذه التدخلات لا تعوض غياب استجابة صحية شاملة، وتكشف هذه الأرقام خطورة ملايين المدنيين أكثر عرضة للمرض والمضاعفات.
المطار شريان مغلق
يرتبط الملف الصحي في اليمن ارتباطًا وثيقًا بحركة المنافذ، وفي مقدمتها مطار صنعاء. فإغلاق المطار، وفق وزارة الصحة، حرم مرضى من السفر لتلقي العلاج في الخارج، وأجبر شحنات طبية على سلوك طرق برية أطول وأكثر كلفة وتعقيدًا، كما أدى ذلك إلى تراجع واردات الأدوية، ورفع أعباء النقل والتخزين، وأضعف انتظام وصول المستلزمات إلى المستشفيات، ويطالب المسؤولون بفتح المطار بصورة كاملة ومستدامة، وضمان حرية حركة الطائرات المخصصة لنقل الأدوية ومستلزمات بنوك الدم والمحاليل والمختبرات، كما يطالبون بإنشاء آلية دولية واضحة تضمن عبور المساعدات الطبية إلى جميع المحافظات دون تمييز أو تأخير، لأن أي إجراء يعيق الدواء ينعكس مباشرة على مريض لا يملك ترف الانتظار.
الحصار معضلة  اقتصادية
لا ينفصل نقص الأدوية عن الانهيار الاقتصادي والتضخم وتراجع قيمة العملة، فحتى عندما يتوافر الدواء في السوق، قد تعجز الأسر عن شرائه بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع الدخول، وهكذا تتكون حلقة متشابكة: الحصار يعيق الاستيراد، ونقص المعروض يرفع الأسعار، والتدهور الاقتصادي يقلل القدرة على الشراء، ثم يؤدي انقطاع العلاج إلى مضاعفات تحتاج إلى رعاية أكثر كلفة، فيما تتحمل الأسر العبء الأكبر في هذه الحلقة، خصوصًا الأسر التي تضم مرضى مزمنين أو أطفالًا يحتاجون إلى أغذية علاجية أو أدوية متخصصة، وقد تضطر الأسرة إلى بيع ممتلكات أو الاستدانة أو تقليل نفقات أساسية لتوفير جرعة دواء، فيما تختار أسر أخرى الانتظار حتى تتدهور الحالة. وفي كلتا الحالتين، يصبح المرض عاملًا يهدد الاستقرار الاجتماعي والمعيشي، لا مشكلة صحية منفصلة.
مسؤولية دولية
وفي السياق، تطالب وزارة الصحة والبيئة بالإفراج عن شحنات الأدوية والمحاليل ومستلزمات بنوك الدم والمختبرات المحتجزة، ووقف ما تصفه بالتفتيش التعسفي والمماطلة، كما تدعو الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى التعامل مع صحة اليمنيين باعتبارها التزامًا إنسانيًا وقانونيًا، لا ورقة تفاوض أو أداة ضغط، ومن منظور القانون الإنساني، تظل حماية المدنيين وتأمين وصول العلاج من المبادئ الأساسية في أوقات النزاع. ولذلك فإن الاستجابة المطلوبة لا تقتصر على إرسال شحنة طارئة، بل تشمل ضمان ممرات مستدامة، وتمويلًا منتظمًا، ودعمًا للمستشفيات، وتأهيلًا للكوادر، وتوفيرًا لسلسلة تبريد فعالة، وآليات رقابة تمنع التسرب والفساد وتضمن وصول الدواء إلى مستحقيه.

قد يعجبك ايضا