هو الله !

يكتبها اليوم / عباس السيد

في الثالث من سبتمبر الجاري ، أعلنت القوات المسلحة اليمنية عن بدء عملية عسكرية واسعة لتطهير الساحل الغربي من « تحشيدات العدو السعودي «. البعض اعتبر الإعلان وكأنه مغامرة عسكرية غير محسوبة ـ بالنظر إلى أهمية الجبهة بالنسبة للعدو ، والعدو هنا يتجاوز الخصم أو الأدوات المحلية إلى العدو الإقليمي بأطماعه التاريخية ، ومن خلفه العدو الإسرائيلي والأميركي بأجنداتهما الاستعمارية المعروفة .

عندما قامت ثورة الـ 21 من سبتمبر 2014، وتوجهت قوات الجيش واللجان الشعبية لبسط سيطرتها على بقية المحافظات والمناطق اليمنية ، ومنها الساحل الغربي ، استنفر الإعلام الإسرائيلي ، وأطلق حملة محمومة للتحريض على السلطة الجديدة في صنعاء ، والتحذير من «مخاطر سيطرة الحوثيين» على البحر الأحمر وباب المندب ، وتماهى معه إعلام بعض الأنظمة الإقليمية التي كانت ترزح تحت وطأة خسارتها برحيل أدواتها وانتهاء عصر وصايتها على اليمن .

كانت ذريعة حماية الملاحة الدولية ومنع « الحوثيين» من السيطرة على جنوب البحر الأحمر هي الذريعة الأساسية لتشكيل تحالف دولي بقيادة السعودية ، وكان الهدف المعلن هو «استعادة الشرعية» ، لكن سلوك هذا التحالف على الأرض خلال أكثر من عشر سنوات من العدوان الهمجي والحصار الجائر، كشف للقاصي والداني أن الهدف الحقيقي للسعودية وتحالفها، هو : تدمير اليمن وتفكيكه والسيطرة على ثرواته وإعادته تحت مظلة الوصاية السعودية .

في يناير 2017 ، تمكن التحالف السعودي ومن خلال إسناد جوي هائل من السيطرة على عدد من مديريات الساحل الغربي التابعة لمحافظتي تعز والحديدة ، بما فيها مديرية المخا التي اُّتخذت كمعقل لتأسيس ميليشيا مسلحة تابعة لتحالف السعودية ، وتولت دولة الإمارات رعاية هذه الميليشيا وتمويلها ، قبل أن تترك المهمة للسعودية قبل عام .

خلال عشر سنوات ، أنفقت الإمارات ومعها السعودية ، مئات ملايين الدولارات لتسليح وتدريب وتمويل تلك الميليشيات التي باتت توازي جيوش بعض الدول ، إذ وصلت إلى 8 فرق عسكرية يتجاوز عدد أفرادها 70 ألف مسلح .

لذلك ، كان إعلان القوات المسلحة اليمنية عن بدء عملية عسكرية لتحرير مديريات الساحل المحتلة مفاجئاً وغريباً بالنسبة للبعض ، واعتبره البعض مغامرة غير محسوبة العواقب . لكن الأكثر غرابة وإثارة ، هو الانتصار الذي حققته القوات المسلحة اليمنية بتحرير تلك المديريات ، وفي مدة لم تتجاوز أسبوعاً واحداً .

لا يستطيع الكثير من المراقبين والمحللين تقديم تفسيرات ومبررات منطقية لتحقيق هذا الانتصار سوى بالقول : « هو الله» .

بعد عشر سنوات من الاحتلال السعودي للمخا والمديريات الساحلية المجاورة لها ، عادت المخا إلى محافظة تعز وإلى الحضن اليمني الأوسع ، وفشل مخطط سلخها عن تعز وعن الجغرافيا اليمنية بشكل عام .

العاشر من سبتمبر 2026 ، هو يوم ميلاد جديد للمخا ، عيد وطني للمخا يستحق أن تحتفي به كل عام ـ كما هو حال الكثير من مدن العالم التي تحتفي بأعيادها الخاصة ـ . لقد عانت المخا والمديريات الساحلية من تهميش وتدمير ممنهج طوال عقود من حكم النظام السابق .. المدينة التي ذاعت شهرتها في العالم وعُرفت باسم « موكا « تحولت خلال العقود الماضية إلى قرية نائية ، مع أنها تمتلك كل المقومات الاقتصادية لاستعادة دورها ومجدها ، ولم يكن الاحتلال السعودي على مدى السنوات العشر الماضية سوى حلقة في مسلسل التدمير والتهميش الطويل . الأمر ذاته ينطبق على باقي المديريات والمناطق الساحلية المحررة شمال المخا وجنوبها ، من الخوخة شمالاً إلى خور المندب وقرية الشيخ سعيد المطلة على المضيق .

كل تلك المناطق ـ الخوخة ، يختل ، وادي الملك ـ مؤهلة لأن تكون مناطق سياحية جاذبة لما تتمتع به من سواحل نظيفة تكسوها الخضرة وتتفجر فيها المياه العذبة ، وهي بحاجة لطي صفحة الماضي وبدء مرحلة من الاهتمام والتنمية لأن استمرارها كقرى نائية يجعلها لقمة سائغة وفريسة سهلة لأي طامع أو محتل ، بعكس المدن ذات التجمعات السكانية التي تشكل حاضنة للمدافعين عنها .

للسلطة المحلية بالمخا :

سألني أحد الأشخاص الذين كانوا يعملون في المحطة الكهربائية بالمخاء: هل سنعود إلى عملنا وبيوتنا التي أجبرونا على إخلائها .

أجبته : سؤالك وجيه ، لكن الجواب عند السلطة المحلية في المخا.

يشار إلى أن المدينة السكنية التابعة لمحطة المخا البخارية كانت تضم 200 وحدة سكنية يعيش فيها المهندسون والموظفون العاملون في المحطة ، وتم إجبارهم على النزوح من المدينة السكنية التابعة للمحطة بعد قصف طيران التحالف السعودي للمدينة في يوليو 2015، وهي المجزرة التي راح ضحيتها نحو 65 شهيدا وعشرات الجرحى . ووصفتها «هيومن رايتس ووتش» وغيرها من المنظمات الحقوقية بأنها جريمة حرب . بينما تم وقف المحطة البخارية ، وتعرضت « للتشليح « وتم تحويل خزاناتها لمصلحة تجار الوقود المقربين من طارق عفاش .

aassayed@gmail.com

قد يعجبك ايضا