تمثل العلاقة التاريخية والمؤسسية بين الولايات المتحدة الأمريكية والأنظمة الاستبدادية في العالم الثالث نموذجاً صارخاً للبراغماتية الموتورّة؛ حيث يُقايض صانع القرار الأمريكي المبادئ المعلنة للمدينة الفاضلة الديمقراطية بمصالح الإمبراطورية العارية. وفي قلب هذه المعادلة الميكيافيلية، تبرز ظاهرة “أمركة” السياسات الأمنية والاستخباراتية لتلك الأنظمة، كعملية هندسة وتطوير ممنهجة تُخضع فيها الأجهزة القمعية المحلية للمعايير والتقنيات الأمريكية، ليتحول الاستبداد المحلي إلى ترس متطور داخل آلة الأمن القومي العابر للحدود.
الدعم الأمريكي للأنظمة المستبدة يتجاوز السكوت وغض الطرف ويتبنى هندستها بنيوياً عبر برامج المساعدات العسكرية والتدريب المشترك ونقل التكنولوجيا. وتعني “أمركة” الأنظمة الاستبدادية دمج بنى الأمن القومي المحلية ضمن شبكة القيادة والسيطرة الغربية، تحت غطاء مكافحة الإرهاب، أو تأمين تدفقات الطاقة، أو حماية الاستقرار الإقليمي.
تتجسد هذه العملية في عقود التسليح الضخمة، وبرامج تدريب الضباط في المعاهد العسكرية الأمريكية، وتزويد هذه الأنظمة ببرمجيات التجسس المتقدمة وأنظمة المراقبة الرقمية الشاملة. وبهذا يُصمَّم الاستبداد برعاية تقنية ولوجستية أمريكية خالصة، مما يمنح هذه الأنظمة قدرة غير مسبوقة على وأد أي حراك مجتمعي داخلي واختراق المجتمعات المدنية بدقة فائقة.
تبدأ عملية “الأمركة” للأنظمة السلطوية من خلال خلق حالة من التبعية العضوية الكاملة لمؤسسات الحكم والأمن بالولايات المتحدة. لا تقتصر هذه التبعية على الولاء السياسي، بل تتعداها إلى بنية النظام عبر عدة مسارات تتجلى في صياغة تبعية عضوية كاملة لبنية الأنظمة السلطوية بواشنطن؛ حيث يتم ربط ترساناتها العسكرية ومخططاتها الأمنية ببرامج التسليح والتدريب التابعة للبنتاغون، لتتحول عقيدتها الدفاعية من مواجهة التهديدات الخارجية الحقيقية إلى التركيز على مكافحة “الإرهاب المحتمل” وحماية الاستقرار الداخلي، مما يضمن بقاء آلتها العسكرية رهينة لقطع الغيار والدعم الفني الأمريكي. وتتكامل هذه التبعية الميدانية مع عولمة أدوات القمع الرقمي، عبر تدفق برمجيات التجسس وتقنيات المراقبة الجماعية التي توفرها شركات غربية وإسرائيلية برعاية وغطاء أمريكي لخنق المجال العام وملاحقة المعارضين بدقة متناهية، بالتوازي مع منح واشنطن هذه الأنظمة شرعية دولية وغطاءً دبلوماسياً في المحافل الأممية كشعبي مجلس الأمن وحقوق الإنسان، والتغاضي عن انتهاكاتها الصارخة للحقوق الحريات مقابل تنفيذ الأدوار الوظيفية المطلوبة منها إقليمياً.
بمجرد أن تستقر الأنظمة الاستبدادية تبدأ واشنطن في تفعيل الشق الثاني من الاستراتيجية وهو الابتزاز الممنهج، فالدعم الأمريكي ليس بالمجان ويأتي مقابله شروط وتنازلات مستمرة يتم تحصيلها عبر توظيف “الملفات السوداء” للنظام لذلك النظام القمعي، وتلعب ورقة حقوق الإنسان الأداة الأكثر استخداماً كـ “عصا غليظة” للتلويح بها (عبر تقارير الخارجية الأمريكية أو تقليص مشروط للمساعدات) كلما أظهر النظام تباطؤاً في تلبية الأوامر.
كما يتم دفع الأنظمة القمعية عبر توصيات المؤسسات النقدية الدولية (التي تهيمن عليها واشنطن) إلى تبني سياسات اقتصادية معينة، بجانب إجبار الدول الغنية بالنفط على إبرام صفقات تسليح ضخمة بمليارات الدولارات لحلب خزائنها لصالح الاقتصاد الأمريكي، مقابل استمرار مظلة الحماية، وغالباً ما يصاحب ذلك تهديداً برفع الغطاء وتفعيل المحاسبة، واستخدام قوانين مثل “جاستا” أو التهديد بفتح ملفات الفساد وتجميد الأصول الخارجية للمسؤولين في المصارف الغربية كأداة لإبقاء رأس النظام تحت السيطرة الكاملة.
ويبقى الهدف النهائي من عملية “الأمركة” والابتزاز هو تسخير مقدرات وقرارات هذه الأنظمة لخدمة ثوابت السياسة الأمريكية في المنطقة، والتي تتمحور حول نقطتين أساسيتين:
1. دمج الكيان الصهيوني وتصفية القضية الفلسطينية: تم الضغط على الأنظمة المستبدة لتسريع وتيرة التطبيع الفوقي (مثل اتفاقيات إبراهام) وتعميق التنسيق الاستخباراتي والعسكري مع إسرائيل، بمعزل عن الإرادة الشعبية الرافضة تماماً لهذا المسار. الهدف هو تحويل إسرائيل من “عدو تاريخي” إلى “شريك أمني مركزي” لحماية تلك الأنظمة من شعوبها.
2. حماية الاحتكارات وتأمين خطوط الإمداد: تلتزم الأنظمة المُمَركة بضمان تدفق النفط والغاز بالأسعار والكميات التي تخدم الاقتصاد الغربي، وتأمين الممرات المائية الحيوية (كالبحر الأحمر وقناة السويس) تحت إشراف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، مع قطع الطريق أمام أي تمدد صيني أو روسي منافس.
قد تضمن سياسة “أمركة الأنظمة الاستبدادية” لواشنطن مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، وتوفر للأنظمة حماية مؤقتة، لكنها تُحدث شرخاً هائلاً وعميقاً بين النخب الحاكمة وشعوبها. فالشعوب العربية تعيش حالة من الاغتراب السياسي، حيث ترى ثروات بلادها تُنهب، وقرارها السيادي يُصادر لخدمة مشاريع معادية لتطلعاتها (وعلى رأسها الدعم المطلق لإسرائيل). وهذا النموذج القائم على الابتزاز المتبادل بين المستبد والمهيمن الخارجي يخلق بيئة هشّة سريعة الانفجار؛ فالتاريخ يثبت أن مظلة الحماية الأمريكية غالباً ما تنكمش وتتخلى عن وكلائها بمجرد انتهاء صلاحيتهم أو عجزهم عن قمع الغضب الشعبي، لتظل الشعوب وحدها هي صاحبة الكلمة الأخيرة في استرداد سيادتها وكرامتها.
