“باب المندب ليس للبيع” .. تفنيد نظرية المؤامرة في معارك الساحل الغربي

سامي عطا

مقدمة / عندما يتحول الصراع إلى “مؤامرة”.
ثمة سردية باتت تتكرر في بعض الأروقة التحليلية، تختزل معارك الساحل الغربي اليمني في لعبة شطرنج دولية يدير خيوطها “المتحكم بلعبة الاقتتال” كما وصفها الكاتب محمد عثمان الأبجر في مناولته الأخيرة على حسابه في “الفيس بوك”. ففي قراءة تستعير لغة نظريات المؤامرة، يُختزل صراع وجودي يخوضه شعب منذ أكثر من عقد ضد عدوان خارجي، في مجرد «إعادة رسم خرائط النفوذ الدولي» على ممر ملاحي. لكن الحقيقة الأكثر إزعاجاً لأصحاب هذه السردية أن معارك الساحل الغربي ليست مؤامرة محكمة، بل هي فشل مكشوف لتحالف عدواني لم يستطع تحقيق أهدافه، وصراع على السيادة لن ينتهي إلاَّ بدولة يمنية مستقلة القرار.
أولاً / نقد نظرية المؤامرة – عندما يتحول الاحتلال إلى “إدارة نفوذ”.
يذهب الأبجر إلى أن ما يجري في الريف الغربي “ليس صراعاً محلياً على مديرية أو طريق «، بل « معركة إعادة رسم خرائط النفوذ الدولي « يتحكم فيها طرف خفي لا يسمح بحسم المعارك، لأن « أمن الملاحة الدولية أهم من حسم الحرب اليمنية «. وهنا تكمن المغالطة الكبرى.
المغالطة الأولى / إعادة إنتاج خطاب « الصراع اليمني- اليمني « الذي يبرئ تحالف العدوان من مسؤوليته. فمنذ 2015م، يقود تحالف عسكري بقيادة سعودية وإماراتية حرباً على اليمن، واحتل أجزاءً واسعة من المحافظات، وسيطر على ثروات النفط والغاز. فهل يعقل أن يُختزل هذا العدوان المباشر في « إدارة نفوذ « ؟ إن وصف الاحتلال العسكري المباشر بأنه مجرد « تأمين نفوذ « هو تبرير سياسي للتدخل الخارجي، وتنصل من حقيقة أن ثمّة دولةً معتدية وأخرى مُعتدى عليها.
المغالطة الثانية / تجاهل الوكالة اليمنية. فالقوات المسلحة اليمنية في صنعاء ليست أداةً في يد « المتحكم الدولي «، بل هي قوة وطنية تخوض معركة وجود ضد عدوان خارجي. وقد أثبتت السنوات الإحدى عشرة الماضية أن هذا الصمود ليس وليد مؤامرات، بل نتاج إرادة شعبية وقيادة حكيمة. فكيف يمكن تفسير استمرار صنعاء في مواجهة تحالف دولي لأكثر من عقد، إن كان كل شيء يُدار من غرفة تحكم خارجية؟
المغالطة الثالثة / الاختزال الجيوسياسي. صحيح أن باب المندب ممر ملاحي حيوي يمر عبره 12% من التجارة العالمية، لكن اختزال الصراع اليمني في هذا البعد فقط هو تجاهل للأبعاد الإنسانية والسياسية والاقتصادية. فملايين اليمنيين يعانون الحصار والتجويع والقصف، وهذه ليست « ورقة تفاوض « في لعبة نفوذ، بل جرائم حرب ترتكب بحق شعب بأكمله.
ثانياً / فشل تحالف العدوان – حقيقة ميدانية لا تحتاج إلى مؤامرات.
ما يصفه الأبجر بـ « عدم السماح بالحسم « ليس مؤامرة، بل هو فشل عسكري واستراتيجي لتحالف العدوان. فبعد اثني عشر عاماً من العدوان، لم يتمكن التحالف من تحقيق أي من أهدافه المعلنة.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن قوات صنعاء تتمكن من إحراز تقدم عسكري في مناطق استراتيجية غربي تعز، مستهدفة خطوط إمداد الفصائل الموالية للسعودية. ففي جبهتي الكدحة ومقبنة الاستراتيجيتين، تواصل قوات صنعاء التقدم باتجاه مضيق باب المندب. وهذا ليس « سماحاً « من طرف خارجي، بل نتيجة تفوق ميداني وإنهيار ميداني مقابل لقوات المرتزقة.
وفي المقابل لم يعد الخلاف داخل تحالف العدوان سراً بل شهد تفككاً. فقد انسحبت الإمارات رسمياً من التحالف، وبقيت السعودية وحدها في الواجهة. وهذا التفكك يعكس فشلاً بنيوياً، وليس مؤامرة.
حتى المحاولات السعودية لتشكيل تحالفات بحرية جديدة لحماية ملاحتها في البحر الأحمر باءت بالفشل. فتشكيل تحالف بحري جديد ليس إلاَّ « محاولة بائسة لإعادة إنتاج الفشل».
ثالثاً / السيادة هي الحل – وسلطة صنعاء الأقرب لتحقيقه
يخلص الأبجر إلى أن « بدون سيطرة الدولة على مواردها ومنافذها المالية، ستبقى تعز والساحل مجرد ساحة مفتوحة لصراع النفوذ «. وهذا الاستنتاج، في جوهره، اعتراف بأن الحل الوحيد هو استعادة السيادة الكاملة للدولة اليمنية. لكن السؤال: من الأقدر على تحقيق هذه السيادة ؟.
سلطة صنعاء تمثل السيادة الفعلية، حيث تدير سلطة صنعاء معظم المحافظات الشمالية، وتفرض سيطرتها على مؤسسات الدولة. وهي التي تخوض معركة استعادة الثروة والسيادة منذ أكثر من عقد. وقد أعلنت صنعاء مرحلة جديدة للتصدي للاحتلال واستعادة الثروة الوطنية.
الاعتراف الدولي يتجه نحو صنعاء لا محالة، وفي تطور لافت، أعلنت إيران اعترافها الرسمي بسلطات صنعاء كممثل شرعي وحيد للجمهورية اليمنية. كما كشفت مصادر سعودية عن تفاهمات مع سلطة صنعاء لتسليمها ملف الموالين للرياض، وهو اعتراف ضمني بأن صنعاء هي الركيزة الأساسية القادرة على احتواء الأطراف اليمنية.
وتؤكد صنعاء أنه لا قيمة قانونية لأي طرف ينتحل صفة مقعد اليمن في الأمم المتحدة، وتشدد على أن «إعادة تشغيل مطار صنعاء الدولي حق سيادي لليمن، وأن صنعاء ماضية في ذلك وبدون إذن من أحد «.
خاتمة / لا مؤامرة.. هناك احتلال وهناك مقاومة.
إن قراءة معارك الساحل الغربي من زاوية نظرية المؤامرة ليست مجرد تحليل خاطئ، بل هي خدمة لخطاب التحالف العدواني الذي يسعى لتبرير تدخله. فالقول بأن « المتحكم بلعبة الاقتتال « هو من يقرر متى يحسم الصراع، يعني تجريد اليمنيين من إرادتهم، وتبرير استمرار الاحتلال.
الحقيقة الأوضح أن تحالف العدوان قد فشل في تحقيق أهدافه، وأن قوات صنعاء تواصل تقدمها الميداني باتجاه استعادة السيادة الكاملة. واستقرار اليمن لن يتحقق إلا بدولة ذات سيادة كاملة ومستقلة القرار، قادرة على إدارة مواردها ومنافذها البحرية. وكل المؤشرات تشير إلى أن سلطة صنعاء هي الأقدر والأقرب لتحقيق هذه السيادة، ليس لأنها تمتلك القوة العسكرية فحسب، بل لأنها تمثل الإرادة الشعبية الأكثر قدرةً على ضبط إيقاع المجتمع أمنياً بالرغم من شحة الموارد، ولقد تمكنت من الصمود اثني عشر عاماً في وجه أعنف عدوان عرفته المنطقة.
فباب المندب ليس للبيع، واليمن ليس ساحة نفوذ، وسيادته ليست موضوعاً للمزايدات.

قد يعجبك ايضا