ركام العداء وأنين الجائعين

شاهر أحمد عمير

تحت ظلال الأبراج الزجاجية اللامعة التي شُيدت بأموال النفط، تتوارى حقيقة مظلمة تأبى آلة الدعاية الإعلامية أن تكشفها، حقيقةٌ قوامها ركام الصراعات وأنّات المقهورين التي تمزق صمت المنطقة العربية. لم تعد الثروات الطائلة مجرد أرقام تتكدس في خزائن الدول، بل تحولت إلى أدوات فتاكة تُهندس الانقسامات، وتشتري الذمم، وتُعمّق جراح الشعوب التي تتوق للكرامة. وخلف واجهات التنمية البراقة والمشاريع الاستعراضية، يختبئ واقع بائس يؤكد أن بريق البترودولار عاجز تماماً عن إخفاء بشاعة المآسي الإنسانية، حيث تُستخدم مقدرات الأمة لضرب استقرارها، وخنق طموحاتها في العيش، تاركةً ملايين الجياع يواجهون مصيرهم بمفردهم.
تمتلك العوائد النفطية قدرة فائقة على هندسة المشهد الظاهري، إذ تُبنى المدن الذكية، وتُطلق المشاريع العملاقة، وتُضخ المليارات في آلات الدعاية السياسية لترسيخ صورة الاستقرار والرخاء. غير أن هذا البذخ المالي غالباً ما يفتقر إلى الجذور الاجتماعية والأخلاقية المستدامة. إنه استقرار مؤقت ومبني على رمال متحركة، يغيب عنه العدل الاجتماعي وتكافؤ الفرص. وحين تنفق المليارات لتمويل النزاعات والحروب الداخلية، أو لتلميع الصور الملطخة بالدماء، يظل قطاع عريض من المواطنين يعاني من شظف العيش، محاصراً بارتفاع الأسعار وغياب الأمان الاقتصادي الحقيقي. إن أموال النفط الخليجي الذي تسخرة قوى العدوان السعودي والإماراتي لخدمة الكيان الإسرائيلي والأمريكي وقتل الشعب العربيه سوف يأتي اليوم الذي يجف هذا الحقول النفطية حقول الشر.
يمثل اليمن العنوان الأبرز والأكثر دراماتيكية لهذه المأساة، حيث تتقاطع سنوات العدوان السعودي الغاشم والحصار الشامل المفروض على الشعب اليمني مع معاناة معيشية خانقة يعيشها ملايين المدنيين، مخلّفةً أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العصر الحديث، ومترافقة مع تباين حاد بين حجم الدمار والخراب الهائل في الداخل اليمني وصور الوفرة المالية المطلقة والبذخ في دول التحالف المعتدية. إن هذا العدوان لم يقتصر على استهداف البنى التحتية وقطع العوامل الأساسية للحياة فحسب، بل وسعى لتركيع شعب بأكمله عبر تجويعه وحرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية.
وأمام هذه القسوة الممنهجة والصلف المستمر، انبرى أحرار اليمن بقيادة استثنائية ورؤية واعية تجسدت في شخص قائد الثورة السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي – حفظه الله – ليرسموا ملامح ملحمة كبرى في الصمود والتصدي البطولي، وليصنعوا بمعية شعبهم الأبي درعاً منيعاً في وجه الطغيان. وبتوجيهات حكيمة وحنكة نادرة استطاعت قهر التحديات، طوّر اليمنيون استراتيجيات دفاعية وردعية نوعية استهدفت العمق الحيوي والاقتصادي للعدو السعودي، متجاوزين كل أشكال الخذلان الدولي؛ لتطال الضربات المنشآت النفطية الحساسة والمطارات الاستراتيجية. وبات واضحاً أن هذا الردع الميداني يمثل السبيل الفاعل لكسر طوق الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد، وإجبار القوى المعتدية على دفع ثمن جرائمها، لترتسم بفضل هذه المواجهة الشجاعة معادلة جديدة تنهي حالة الاستنزاف وتكسر شوكة الغطرسة.
تبقى شهادة الجائعين وضحايا العدوان والسياسات المدمرة عصية على المحو، لأنها مستندة إلى واقع معيشي لا تقوى على تزييفه لغة الأرقام الرسمية ولا صفقات الاستثمار الكبرى. إن الشعوب التي تتعرض للتهميش والفقر المتعمد تملك ذاكرة فولاذية لا تنسى من تسبب في شقائها ومن تاجر بآلامها. ويبقى التساؤل الأبرز قائماً حول الكيفية التي يمكن من خلالها تحويل معادلات الردع الميداني والبطولات اليمنية إلى مسار يضمن رفع الحصار الشامل عن الموانئ والمطارات اليمنية، ووقف العدوان نهائياً، ورفع المعاناة عن الشعب، ووضع حد للأزمة الإنسانية المتفاقمة التي دفع فاتورتها الأبرياء وحدهم طوال سنوات الحرب والصمود.

قد يعجبك ايضا