ليس في التاريخ سلطةٌ دامتْ بالدعة والرخاء، ولا حكمٌ استقامَ بالفهنة والترف. إنَّ شرعيةَ أيِّ سلطةٍ لا تُمنحُ هديَّةً، ولا تنزلُ عليها من علياءِ السماءِ وحياً ـ إلاَّ مع الأنبياء ـ وزمن الأنبياء قد انقضى، بل تأتي سلطة الشرعية حصيلةُ تراكمٍ من التعبِ والمكابدة، وجمرةُ احتكاكٍ يوميٍّ بمخاضِ الواقعِ وتحدِّياته. إنها، في جوهرها، علاقةٌ عضويةٌ بين الحاكم والمحكوم، تقومُ على الإصرار والعزم، وتتغذَّى من إراداتٍ فولاذيةٍ لا تلين، تواجهُ المخاطرَ وتجمعُ الناسَ على كلمةٍ سواء.
لقد أدرك الفلاسفةُ منذ القديم أنَّ الشرعيةَ ليستْ مسألةً تقنيَّةً محايدة، بل هي قيمةٌ أخلاقيةٌ وسياسيةٌ تُستمدُّ من عمقِ الارتباطِ بالجماعة. يقول جان جاك روسو في « العقد الاجتماعي «: « إنَّ أقوى السلطاتِ لا تكفي لتكونَ مشروعةً ما لم تخضعْ لإرادةِ الشعبِ العامة «. فلا قوةَ بلا عدالة، ولا حكمَ بلا رضا، وهذا الرضا لا يُستجلبُ بالوعودِ المجرَّدة، بل بالإنجازِ اليوميِّ والصدقِ في التعبيرِ عن همومِ الناسِ وتطلُّعاتهم.
ويذهب الفيلسوف الإيطالي نيقولا مكيافيلي إلى أنَّ بقاءَ الحكمِ ليسَ رهْنَ الحظِّ أو النسب، بل بالفعلِ الجريءِ والقدرةِ على مجابهةِ الأخطار، ففي كتابه « الأمير « يرى أنَّ « الشرعيةَ تُكتسَبُ بالقوَّةِ المدعومةِ بالاتفاقِ الشعبي، لا بالسكينةِ والركونِ إلى الأماني «. وكأنَّ مكيافيلي يُعيدُ إنتاجَ الشرعيةُ بوصفها مكابدةِ إرادةِ تجابه المخاطر.
أما المفكر الألماني ماكس فيبر، فقَسَّمَ الشرعيةَ إلى أنواعٍ ثلاث: التقليدية، والكاريزمية، والعقلانية القانونية. لكنَّ أهمَّ ما في نظريته هو أنَّ أيَّ نوعٍ منها لا يخلو من شرطِ القبولِ الشعبي إنها التعبيرِ عن إرادةِ الشعب ومشاركةِ نخبته همومَه وآمالَه. فالشرعيةُ ليستْ وثيقةً جامدة، بل هي عمليةٌ ديناميكيَّةٌ متجدِّدة، تتوقفُ على مدى قدرةِ السلطةِ على أن تكونَ مرآةً صادقةً للمجتمع، وناطقةً باسمِ مصالحه الجمعية.
وفي الأدب العربي، نجدُ عند الجاحظ في كتابه المشهور « البيان والتبيين « إشارةً واضحةً إلى أنَّ « مَن لم يعرفْ حاجةَ الرعيةِ لم تستقمْ له رعيَّتُه «، وكأنَّه يقولُ إنَّ الشرعيةَ ليستْ في القصرِ والحرس، بل في الانغماسِ في تفاصيلِ الناسِ وشجونِهم اليومية. وكذلك الشاعر العربي حين قال:
إذا الشعبُ يومًا أرادَ الحياةَ … فلا بدَّ أن يستجيبَ القدرْ
فلا حياةَ لسلطةٍ بلا شعب، ولا شرعيةَ بلا استجابةٍ للحياة.
الخلاصةُ أنَّ الشرعيةَ ليستْ حالةً جامدةً تُمنحُ مرةً واحدة، بل هي بناءٌ يتراكمُ يوميًّا بالفعلِ والكلمة، بالتعبِ والإرادة، بالاحتكاكِ بالواقعِ والاستماعِ للنخبِ والجماهيرِ على السواء. هي عمليةُ اكتسابٍ مستمرة، تبدأُ من لحظةِ تسلُّمِ السلطة، ولا تنتهي إلاَّ بفقدانِ الثقة، حين تنفصلُ الإرادةُ العليا عن إرادةِ الشعب، وتتحوَّلُ الشرعيةُ إلى مجردِ شعارٍ في كتابٍ أو نقشٍ على جدار.
إنّ شرعيةُ السلطة لا تنامُ على وسادةِ الراحة، بل تظلُّ ساهرةً على حراسةِ الحلمِ الجماعي، مجابهةً للصعاب، معبِّرةً عن الإرادةِ الجمعية، ساعيةً إلى توحيدِ الصفِّ لا تفريقه، وجمعِ القلوبِ لا تشتيتها. وهكذا تبقى الشرعيةُ رهنَ التضحيةِ والصبر، رهنَ أن تكونَ السلطةُ صورةً معبِّرةً عن الشعبِ لا ظلًّا له، وجسرًا إلى المستقبلِ لا سجنًا في الماضي.
Prev Post
