مع إطلالة ذكرى المولد النبوي الشريف لهذا العام، تستعيد الأمة الإسلامية محطة من أكثر محطاتها حضوراً في الوجدان، وهي تعيش واقعاً مثقلاً بالأزمات والانقسامات والاعتداءات والتحديات التي تستهدف هويتها ووعيها ومستقبلها، وفي ظل هذا المشهد، تكتسب المناسبة أهمية كبيرة لتصبح فرصة إيمانية وتوعوية، لإعادة قراءة السيرة النبوية واستحضار القيم التي حملتها الرسالة المحمدية، ومراجعة واقع الأمة في ضوء الرسالة التي حملها خاتم الأنبياء إلى البشرية جمعاء.
لقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برسالة هداية ورحمة وعدل، وأقام نموذجاً متكاملاً للإنسان والمجتمع والدولة، وربط الإيمان بالمسؤولية، والعبادة بالأخلاق، والرحمة بالعدل، والقوة بحماية المستضعفين، والتكافل بصيانة المجتمع من التفكك، ولذلك فإن استحضار سيرته تكون باستلهام المنهج القرآني الذي يمكن للأمة من خلاله مواجهة تحديات حاضرها.
في اليمن، تبدأ مظاهر الاستعداد للمناسبة مبكراً، ومع اقتراب ذكرى المولد النبوي تتسع الفعاليات والأنشطة في مختلف المناطق، تحت شعار “لبيك يا رسول الله”، في مشهد يعكس حضور المناسبة في الوجدان الشعبي اليمني.
ومنذ أواخر شهر صفر، تبدأ مظاهر الاحتفاء وتنتشر اللافتات واللوحات والأضواء والزينة في الشوارع والميادين والمباني والمركبات، بينما تتواصل الفعاليات الثقافية والخطابية والاجتماعية التي تستعيد السيرة النبوية وتتناول جوانب من شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته.
ويجد اليمنيون في هذه المناسبة فرصة لتعريف الأجيال الجديدة بسيرة رسول الله، باعتبارها نموذجاً إنسانياً وأخلاقياً وحضارياً يمكن استلهام قيمه في الحياة اليومية.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات المولد النبوي الشريف أن محبة الرسول صلوات الله عليه وآله، تكون بما تتركه هذه المناسبة من أثر في الأخلاق والسلوك والتكافل والوحدة وتحمل المسؤولية.
حين تستعيد الأمة شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإنها تستعيد نموذجاً متكاملاً للإنسان والقائد والمربي والسياسي والمعلم وصاحب الخلق العظيم.
تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم تحديات، تمتد إلى المجال الثقافي والفكري والإعلامي، فمع اتساع الفضاء الرقمي، وتدفق المحتوى العالمي، وتزايد التأثير الثقافي الخارجي، أصبحت معركة الوعي جزءاً أساسياً من معركة الحفاظ على الهوية.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة تقديم السيرة النبوية للأجيال الجديدة بطريقة واعية وعصرية، تُقدم فيها شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بوصفها نموذجاً أخلاقياً وإنسانياً وحضارياً.
فمعرفة النبي هي بمعرفة القيم التي أسس لها الصدق، والأمانة، والرحمة، والشجاعة، والتواضع، والعدل، والصبر، وتحمل المسؤولية.
من الجوانب المهمة التي يمكن أن تجعل المولد مناسبة ذات أثر مستمر، تحويل قيم الرحمة النبوية إلى مبادرات اجتماعية ملموسة، فإطعام المحتاج، ومساعدة الفقير، ورعاية اليتيم، وإغاثة المنكوب، وإصلاح ذات البين، وتعزيز العلاقات بين أفراد المجتمع، كلها صور عملية للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
في المشهد اليمني، اكتسب المولد النبوي الشريف خلال السنوات الماضية أبعاداً استراتيجية، إذ أصبحت المناسبة للتعبير عن مواقفهم تجاه القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والصراع مع العدو الإسرائيلي والأمريكي.
فالسيرة النبوية تحمل في جوهرها مفاهيم واضحة حول مقاومة الظلم ونصرة المظلوم، وحماية المستضعفين، والدفاع عن الحقوق، وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع.
في الأخير، إن ذكرى المولد النبوي الشريف موعد متجدد مع الرسالة التي صنعت أمة، وأخرجت الإنسان من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية، ورسّخت في الحياة معاني العدل والرحمة والكرامة والوحدة والمسؤولية.
وفي اليمن، يكتسب هذا الموعد حضوراً استثنائياً، لأنه محطة لاستعادة السيرة النبوية وربطها بقضايا الواقع، وتجديد الصلة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واستحضار القيم التي حملها إلى العالمين.
إن الأمة التي تريد أن تستعيد مكانتها، وأن تجعل من سيرة نبيها قوةً لبناء حاضرها ومستقبلها، ومن أخلاقه منهجاً في حياتها، ومن وحدتها سداً أمام مشاريع التفكيك، ومن وعيها حصناً في مواجهة محاولات طمس هويتها.
فذكرى المولد النبوي الشريف تذكير برسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تذكير بقيمه وإيمانه وحكمته وتحمله للمسؤولية وتحركه وجهاده ضد المشركين واليهود والنصارى.
وفي هذا الزمن الذي تتكالب فيه التحديات على الأمة، تبقى الرسالة المحمدية هي المرجع لحكيم لهذه الأمة لمواجهة كل التحديات، لأن الأمةٌ التي تعرف نبيها، وتتمسك بهويتها، وتستعيد قيمها، وتتحمل مسؤوليتها، وتتوحد حول قضاياها، قادرةٌ على أن تستعيد ثقتها بذاتها ودورها المنوط بها كأمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
Prev Post
