هذا الزخم البشري اليماني الطاغي الذي يملأ الميادين، بالوقفات والندوات، وتفعيل قيم التكافل الاجتماعي في أبهى صور التراحم، لا شك بأنه يعيد التذكير بحقيقةٍ تاريخيةٍ راسخة: أن أبناء اليمن كانوا وما يزالون في طليعة المناصرين للرسول الكريم -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- وحملة راية الإسلام ماضياً وحاضراً.
إنهم يعبّرون اليوم بالدمع والعطاء، وبالشعر والنور، وبنبضات قلوبهم المتسارعة، عن عمق محبتهم وولائهم للنبي الأكرم؛ لتطل بلادهم على العالم كموج بحرٍ متلاطم من الضياء، لا يهدأ صخبه الإيماني إلا وهو يرفع لواء الهدى عالياً، معلناً للقاصي والداني أن نبض هذه الأرض محمديٌّ خالص، وأن فجرها المتجدد مستمدٌ من فيض ميلاده الخالد الذي أشرق على الكون بالرحمة والخير.
وفي كواليس هذا الاحتشاد العظيم والزخم المبارك، تبدو الساحات والمدائن اليمنية خلايا نحلٍ لا تهدأ، تدفعها أشواقٌ جارفة لا تعرف الكلل ولا الملل؛ حيث تجري الترتيبات والتجهيزات الميدانية على قدم وساق، وسط استنفارٍ رسمي ومجتمعي واسع يمتزج فيه أداء الواجب بصدق الاشتياق الروحي. وتتحرك مختلف الجهات والقيادات بحرصٍ بالغ وعزيمة لا تلين لتذليل الصعاب، وتقديم كافة التسهيلات والدعم والمؤازرة للجّان التنظيمية والميدانية؛ ولتذوب كافة العوائق أمام قوافل المحبين الزاحفة نحو ميادين السيرة العطرة.
إنه إذن استنفار شامل يبتغي مرضاة الله ورسوله، لتغدو كل حركةٍ في الميدان وكل لفتة تنظيمية خطوةً مقدسةً ومباركة نحو إنجاح هذا العرس المحمدي المشهود، وليصنع تكامل الجهود ملحمة وفاء يمانية فريدة.
ولا تقتصر هذه التحضيرات الشاملة على الحراك البشري التنسيقي فحسب، بل امتدت لتكسو المدن والقرى بحلةً خضراء زاهية، حيث تزيّنت الشوارع والمباني بالأعلام والأضواء الباعثة على الابتهاج.
هذا الجمال البصري المهيب يحاكي رغبة الأنفس الصادقة في التعبير عن الفرح والسرور بميلاد نبي الرحمة، ويجسّد عمق الارتباط الوجداني والروحي الوثيق الذي يربط إنسان هذه الأرض بنبيه الأكرم، محوّلاً الجغرافيا اليمنية برمتها في هذه الأيام المباركة إلى لوحة تشع بالجمال والبهجة، وتعلن للعالم أجمع أن اليمن يحتفل بقائده وهاديه، بطريقة استثنائية وبديعة لا نظير لها.
هذا الاحتشاد اليماني الفريد يحمل في طياته رسالة حضارية بالغة الأهمية للعالم بأسره، مفادها أن التمسك بالقيم المحمدية السامية هو المخرج والسبيل للأمة لنيل العزة والاستقرار.
إنها لوحة حيّة تعيد رسم ملامح الهوية الإيمانية لأبناء اليمن، وتؤكد على أن الالتفاف الوجداني والعملي حول رمز الأمة وقائدها -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- يمثل المحرك الأساسي لمواجهة كل التحديات، صانعاً من ذكراه المباركة محطة متجددة للتزود بالوعي والبصيرة، ومواصلة السير بثبات على خطى الأنصار الأوائل في البذل والتضحية.
ومع اقتراب اللحظة المرتقبة التي تهفو إليها الأرواح، تبلغ نبضات اليمن أوجها في حراكٍ استثنائي تتلاحم فيه الإرادات، وتتسارع الخطى في ساعات الشوق المباركة؛ حيث تلتقي الأنظار والأفئدة عند نقطة التلاقي الروحي الكبرى.
هنا تتأهب القلوب للساحات، وتستعد المدائن والقرى لترسم معاً لوحة الوفاء الخالدة في المهرجان الاحتفالي الأكبر والفعالية المركزية الكبرى؛ تلك الفعالية الشامخة التي يُراد لها أن تزدان مهابةً، وعظمةً، وجلالاً، لتليق بمقام الحبيب المصطفى وصاحب الذكرى العظيمة في قلوب اليمنيين، الذين عُرفوا عبر التاريخ والزمن بأنهم أرقّ الناس قلوباً، وألينهم أفئدةً في حب المصطفى ونصرته واتباع نهجه القويم.
لتظل أرض اليمن السعيد -كما كانت دوماً منذ فجر الإسلام- منارةً شامخة تنبض بالولاء، وتشرق بالنور الهادي، وتستقبل ضيوف نبيها الأكرم بأبهى مظهر يسر الناظرين، وأطهر جوهر يجسد حقيقة الإيمان اليماني الأصيل والراسخ في أعماق الوجدان.
