معلومٌ أن المناهج الدراسية ووسائل التثقيف والإعلام قدّمت للأجيال صورةً مبتورة عن شخصية رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تُبرز عظمته ودوره القيادي والرسالي كما ينبغي.
وهذا التغييب ليس وليد اليوم، إنما تعود جذوره إلى مراحل تاريخية مبكرة، ثم تعزز لاحقًا مع انتشار الفكر الوهابي في المنطقة، وتسرب الكثير من مفاهيمه إلى اليمن عبر المناهج والمنابر والوسائل المختلفة.
ومن أخطر ما نتج عن ذلك تقديم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصورة الإنسان الضعيف الذي لا يملك من أمره شيئًا، وكأن حياته كانت محصورة في العبادة الفردية والابتعاد عن مواجهة الظلم والطغيان، مع ترويج روايات وقصص لا تليق بمقامه العظيم، ولا تنسجم مع ما وصفه الله سبحانه وتعالى به من كمال الخُلُق وعظمة الرسالة.
فحاشاك يا رسول الله أن تكون كما صوّرتك تلك الروايات المشوهة، ولُعن الكاذبون والمفترون.
إن الإساءة إلى شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تكون فقط بالرسوم المسيئة أو الخطابات العدائية، وإنما تبدأ أيضًا عندما تُقدَّم للأجيال صورةٌ مشوهة عن شخصيته وسيرته ودوره العظيم في صناعة الأمة.
لقد اصطفى الله سبحانه وتعالى محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، وأرسله بالهدى ودين الحق، بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}[القلم: 4].
فهو الرحمة المهداة إلى العالمين، والصادق الأمين، والمعلم والمربي والقائد والقدوة. وهو الرجل الذي جمع في شخصيته أعظم صفات القيادة والشجاعة والصبر والحكمة والرحمة والثبات.
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائدًا منعزلًا عن واقع أمته، فقد كان في مقدمة المواجهة حين فُرضت المواجهة، يحمل مسؤولية الدفاع عن المسلمين، ويشارك أصحابه في ميادين القتال، ويثبت حين يشتد الخطر.
وقد روى الإمام علي عليه السلام في وصف شجاعته صلى الله عليه وآله وسلم: قوله «كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى إِلَى الْقَوْمِ مِنْهُ».
ومعنى «احمرّ البأس»: اشتدت الحرب وبلغت ذروتها.
وهذا جانب واحد فقط من جوانب عظمة شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فكلما تعمقنا في سيرته وجدنا أمامنا إنسانًا عظيمًا في أخلاقه، عظيمًا في قيادته، عظيمًا في جهاده، عظيمًا في صبره، وعظيمًا في رحمته بأمته.
ومن هنا فإن الاحتفاء بذكرى مولده صلى الله عليه وآله وسلم ليس مجرد مناسبة شكلية، وإنما هو فرصة لاستعادة شخصية الرسول إلى الوعي والوجدان، وتعريف العالم بمنهج محمد الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الذل إلى العزة، ومن الاستكبار إلى العدل.
وعندما يحتفل اليمنيون بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنهم لا يدّعون أن رسول الله ملكٌ لهم، وإنما يعلنون فرحهم بمولده، وتمسكهم بهديه ورسالته، ويؤكدون أن حب النبي ليس كلمات تُقال، بل موقفٌ وقيمٌ وثباتٌ في مواجهة الظلم والطغيان، قال تعالى{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} صدق الله العظيم. وبالتالي يحرص السيد القائد في كل كلماته التدشينية للاحتفالات بالمولد النبوي على ربط الأمة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واستحضار شخصيته كمنهج حياة، لا كمجرد ذكرى تاريخية؛ فهو قائدٌ ومربٍّ ومجاهدٌ وقدوة، ومن واجب الأمة أن تستلهم منه الثبات والعزة والرحمة والجهاد في سبيل الله.
ومن يريد أن يتعرف على حقيقة الارتباط برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعليه أن ينظر إلى المواقف التي يتخذها اليمنيون تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية؛ حيث يرون في نصرة المظلوم والوقوف في وجه العدوان والاستكبار امتدادًا للمبادئ التي جاء بها الإسلام ورسول الإسلام.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمة ليس فقط أن يُساء إلى نبيها من الخارج، وإنما أن تُشوَّه صورته في وعي أبنائها من الداخل، وأن يُفصل عن دوره القيادي والجهادي، وأن تتحول سيرته إلى حكايات مجتزأة لا تقدم للأجيال حقيقة شخصيته العظيمة.
لقد غُيّبت عن الأمة جوانب من شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما غُيّبت جوانب مهمة من مكانة أهل بيته عليهم السلام، فكانت النتيجة أمةً تعرف اسم النبي، لكنها لا تعرف بالقدر الكافي منهجه ومشروعه وموقفه من الظلم والاستكبار.
ولهذا فإن العودة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعني العودة إلى القرآن، وإلى الأخلاق، وإلى العزة، وإلى الرحمة، وإلى المسؤولية، وإلى نصرة المستضعفين، وإلى بناء أمةٍ تحمل رسالة الإسلام كما أرادها الله سبحانه وتعالى.
خلاصة القول: إن نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم ليس شخصيةً عابرة في التاريخ، لكنه أعظم قدوة عرفتها البشرية، ونبي الرحمة والهداية، والقائد الذي واجه الطغيان بثبات، والمربي الذي بنى أمةً غيّرت وجه التاريخ.
ولكي نعرف نبينا محمدًا حقًا، فلنقرأ سيرته بعيدًا عن التشويه والاجتزاء، وليتأمل أخلاقه وقيادته وجهاده ورحمته، وليعرف أن حب رسول الله لا يكتمل بالقول وحده، وإنما بالاقتداء به والتمسك برسالته الخالدة.
فصلوات الله وسلامه على محمد وعلى آله وأصحابه المنتجبين، ما تعاقب الليل والنهار، وما بقي في الأرض من يقول: لبيك يا رسول الله، لبيك يا رسول الله.
