في الوقت الذي تنهمك فيه مراكز الدراسات الغربية وأجهزة المخابرات الدولية في تحليل المسارات التقنية للصواريخ البالستية اليمنية والمسيّرات العابرة للبحار، تبرز في جغرافيا اليمن معادلة أخرى أشد خطورة في قاموس العلوم العسكرية الحديثة. إنها “جيوستراتيجية الحشود الروحية” التي تتجلى سنوياً مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف. فحين تكتسي ميادين السبعين والمحافظات الحرة باللون الأخضر وتتحول إلى أمواج بشرية متلاطمة، فإن “البنتاغون” وواشنطن لا يقرأان هذا المشهد كطقس ديني أو احتفالية شعائرية عابرة؛ بل يتعاملان معه كـ “استعراض مرعب للقوة الناعمة والصلبة معاً”، و”تفويض بالستي مليوني مفتوح الخيارات” يمنح القيادة الثورية والسياسية القدرة على اتخاذ أجرأ القرارات العسكرية لكسر الهيمنة الأمريكية والبريطانية في البحر الأحمر وباب المندب، وإسناد غزة بلا تردد أو أسقف.
إن الفجوة التحليلية التي تقع فيها الدوائر الاستخباراتية الغربية تكمن في عجزها عن فهم الرابط البنيوي بين الهوية الإيمانية والقدرة التصنيعية العسكرية اليمنية. فالصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيرة التي تفاجئ البوارج والمدمرات الأمريكية في البحر الأحمر ليست مجرد نتاج لتطور تقني معزول، بل هي التجسيد المادي لروحية “المنهج المحمدي” الذي أُعيد إحياؤه في وجدان الشعب اليمني.
حين يرى العالم ملايين اليمنيين يجتمعون تحت راية المولد النبوي، فإن الرسالة العسكرية الضمنية هي أن القوات المسلحة اليمنية تستند إلى مخزون بشري وحاضنة شعبية صلبة لا يمكن اختراقها بسلاح التجويع أو الحصار الاقتصادي. هذا الالتحام الجماهيري المليوني يمثل حقل تجارب فاشلاً لكل نظريات “الحرب الناعمة” والتفكيك الاجتماعي التي حاولت واشنطن والرياض وأبوظبي هندستها طوال عقد من الزمن. في القاموس العسكري، تحوّل اللون الأخضر في ميدان السبعين إلى “بيئة ردع استراتيجية” تؤمن الظهر اللوجستي والمعنوي للمقاتل والمهندس اليمني في جبهات التصنيع والمواجهة.
ومن الناحية الجيوسياسية، يمثل الاحتفال بالمولد النبوي في هذا التوقيت بالذات محطة لمنح القيادة “تفويضاً شعبياً مطلقاً عابراً للبحار”. في النظم الديمقراطية الغربية، تحتاج الحكومات إلى موافقة البرلمانات وتخضع لتقلبات الرأي العام عند اتخاذ قرارات الحرب؛ أما في اليمن، فإن خروج الملايين في ذكرى المولد يعلن للعالم أجمع أن الشعب والقيادة في خندق واحد، وأن قرار مواجهة ثلاثي الشر (أمريكا، بريطانيا، وإسرائيل) هو قرار شعبي جامع تمليه الالتزامات الدينية والأخلاقية.
هذا الالتفاف الشعبي هو الذي حطّم خطوط أمريكا الحمراء، وجعل من عمليات القوات المسلحة اليمنية في المحيط الهندي والبحرين الأحمر والعربي حقيقة واقعة عجزت التكنولوجيا العسكرية للناتو عن صدها. لقد أعاد المولد النبوي تعريف مفهوم “الأمة” سياسياً؛ فبينما غرقت عواصم عربية وإسلامية عديدة في مستنقع الصمت والتبعية أمام حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، تحركت صنعاء عسكرياً وشعبياً لتثبت أن الولاء لرسول الإنسانية لا يكون بالشعارات والقصائد، بل بفرض الحصار البحري الخانق على كيان العدو الصهيوني واستهداف عمقه الجغرافي.
ختاماً، يجب على صناع القرار في واشنطن وتل أبيب وعواصم التبعية الإقليمية أن يعيدوا قراءة المشهد اليمني بوعي جديد يتجاوز حسابات الورق والعتاد المادي. إن اللون الأخضر الذي يكسو جغرافيا اليمن في ذكرى المولد النبوي الشريف ليس مجرد مظهر احتفالي، بل هو “شفرة جيوستراتيجية” تعني أن اليمن استعاد هويته الضاربة في عمق التاريخ، وحوّلها إلى ترسانة من الردع العسكري والوعي السياسي الذي لا يقهر. إنها رسالة بالستية واضحة تقول: إن شعباً يتنفس عشقاً للمنهج المحمدي، ويتحرك بتفويض مليوني شعبي، هو شعبٌ غير قابل للهزيمة أو الانكسار. ومن ميدان السبعين إلى أعماق البحار، سيبقى اليمن هو الرقم الصعب في المعادلة الدولية، والدرع الحصين للأمة وقضاياها العادلة وعلى رأسها فلسطين وغزة، حتى تحقيق النصر الكامل والسيادة المطلقة.
