صناع المجد في الظل

عادل حويس

 

تشرق شمس كل عام دراسي جديد وتغرب معلنة نهاية رحلة طويلة من البذل ليقف المجتمع بأسره مشدوها أمام منصات التتويج ولوحات الشرف التي تزدان بأسماء الطلاب المتفوقين وتوزع شهادات التقدير على المعلمين والمدارس بينما يظل صناع هذا المجد الحقيقيون واقفين في الظل يرقبون ثمرة غراسهم بدموع الفرح وصمت الكبرياء.

إن النجاح الأكاديمي والتميز التربوي الذي نحتفي به ليس وليد الصدفة ولا نتاج جهد فردي للطالب وحده بل هو ملحمة إنسانية وتضحية استثنائية صاغ تفاصيلها اليومية الوالدان معا عبر تكامل فريد وعظيم يتقاسم العبء ويوزع الأدوار ويحيل المنزل الصغير إلى مؤسسة تربوية متكاملة الأركان تصهر الطاقات لتهب المجتمع أجيالا واعية وقادرة على قيادة المستقبل.

في هذه الملحمة السنوية تبرز الأم كجندي مجهول يحمل على عاتقه أعباء تنوء بها الجبال متقلبة بين مهام التربية والمتابعة الأكاديمية الدقيقة والدعم النفسي المتواصل.

إن الرحلة التي تخوضها الأم طوال أشهر الدراسة ليست مجرد متابعة لواجبات مدرسية أو استيقاظ مبكر بل هي سلسلة ممتدة من الاستنزاف العاطفي والذهني والجسدي.

تبدأ المعاناة اليومية من ضبط إيقاع البيت وإعداد الأبناء نفسيا وبدنيا لاستقبال يومهم ولا تنتهي عند حدود التوفيق الصعب بين التزاماتها المهنية أو المنزلية وبين دورها كمعلمة بديلة في المنزل تترجم المناهج المعقدة وتمتص إحباطات الأبناء عند التعثر وتحول قلقهم قبيل الامتحانات إلى طاقة إيجابية محترقة ببطء في كل تفصيلة لتهبهم نورا وسكينة.

وعلى الجانب الآخر من هذا الكفاح يقف الأب ركيزة صلبة وسندا شامخا يستند إليه البيت في مواجهة أمواج الالتزامات الضاغطة وخط دفاع أول في تأمين المتطلبات والاحتياجات في ظل ظروف معيشية واقتصادية بالغة التعقيد.

إن دور الأب لا ينحصر في البعد المادي فحسب بل هو الحامي للامتداد المعنوي والنفسي داخل الأسرة والموجه الذي يزرع في نفوس أبنائه قيم الانضباط والمسؤولية والاعتماد على الذات. يتحمل الأب عناء السعي الخارجي وضغوط العمل ليوفر بيئة مستقرة وآمنة ويعود ليشارك في رسم الخطط المستقبلية وتذليل العقبات المستعصية مقدما نموذجا حيا في الصبر والجلد ليكون بمثابة المظلة التي تحمي الأسرة من تقلبات الحياة وتمنح الأبناء الثقة للتقدم بثبات نحو أهدافهم.

هذا التناغم الفريد بين عاطفة الأمومة الجياشة وحكمة الأبوة المسؤولة هو الوقود الحقيقي الذي يدفع بقطار التعليم نحو غايته فكل منهما يكمل الآخر في لوحة من التضامن الإنساني النبيل.

وحين يقطف الأبناء ثمار تميزهم فإن أوسمة الفخر الحقيقية يجب أن تعلق على صدور الآباء والأمهات الذين أفنوا زهرة شبابهم ووقتهم وصحتهم ليشرق غد أبنائهم.

إن التقدير الحقيقي الذي ينشده الوالدان لا ينبغي أن ينحصر في كلمات ثناء عابرة بل يجب أن يتحول إلى ثقافة مجتمعية سائدة واعتراف مؤسسي من خلال سياسات دعم مرنة تراعي الأسر ليكون ذلك بمثابة رد لبعض جميلهم وإقرار صريح بأن الأسرة المتماسكة والشراكة الحقيقية بين الوالدين هما المنطلق الأول والأساس لكل إنجاز حضاري وتربوي يتحقق على أرض الواقع.

 

قد يعجبك ايضا