لم يعد مضيق باب المندب مجرد ممر بحري موازٍ لمضيق هرمز، بل بات مرشحاً لأن يصبح الحلقة الثانية في معادلة الضغط الاستراتيجي على الولايات المتحدة وحلفائها؛ حيث إن التطورات العسكرية الأخيرة، وقرار صنعاء فتح معركة إنهاء الحصار المفروض على مطاراتها وموانئها، والتهديد بمواجهة مفتوحة مع الرياض وواشنطن، تعيد إلى الواجهة سؤالاً بالغ الأهمية: ماذا لو أُغلق باب المندب بالتزامن مع استمرار الاضطراب في هرمز؟
المواجهة الأمريكية – اليمنية خلال الأشهر الماضية تقدم مؤشرات لافتة. فقد شنت الولايات المتحدة مئات الغارات على مواقع في اليمن تحت عنوان حماية الملاحة الدولية وردع أنصار الله، بهدف إنهاء جبهة إسناد اليمن لغزة، لكنها لم تتمكن من إنهاء قدراتهم الصاروخية أو المسيّرة، ولم تستطع إعادة الملاحة في البحر الأحمر إلى مستوياتها الطبيعية. وفي المقابل، واصل أنصار الله استهداف السفن المرتبطة بـ”إسرائيل” أو الداعمين لها، ما دفع عدداً كبيراً من شركات الشحن العالمية إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، رغم الكلفة المرتفعة، وانخفضت حركة النفط عبر باب المندب إلى نحو 4.2 مليون برميل يومياً في النصف الأول من عام 2025م، أي أقل من نصف مستويات عام 2023م.
هذه النتيجة جعلت باب المندب يتحول من ممر تجاري إلى ورقة ردع. ومع عودة التصعيد في اليمن، انتقلت الرسائل من مستوى التهديد إلى مستوى تحديد المهل الزمنية. ففي خطابه الأخير، دعا قائد حركة أنصار الله السيد عبدالملك الحوثي إلى حشد مليوني شعبي دعماً للمواجهة، مؤكداً أن اليمن لن يقف متفرجاً إذا استمر الحصار. كما وجه إنذاراً واضحاً إلى السعودية، قائلاً إن الأسبوع المقبل سيكون موعد اتخاذ القرار إذا استمرّت الرياض في الانخراط العسكري، ولوّح بمعادلة “المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والمنشآت بالمنشآت”.
ويتقاطع هذا الخطاب مع تقارير تحدّثت عن رسائل إيرانية بالاستعداد لإغلاق باب المندب إذا توسّعت الحرب أو تعرضت منشآت حيوية داخل إيران لهجمات جديدة. وتفيد هذه التقارير بأن الصواريخ والطائرات المسيّرة جرى نشرها في مواقع مطلة على المضيق، وأن قرار استخدامها قد يصبح جزءاً من إدارة المعركة الإقليمية إذا فشل المسار السياسي.
وتنبع خطورة باب المندب من موقعه الجغرافي الفريد. فهو يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل مع قناة السويس خط الإمداد الرئيسي بين آسيا وأوروبا. وتؤكد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن نحو 4.2 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية كانت تعبر المضيق في النصف الأول من عام 2025، إضافة إلى جزء مهم من تجارة الحاويات العالمية، بعدما كانت الكميات قد بلغت نحو 9.3 ملايين برميل يومياً في عام 2023م قبل هجمات البحر الأحمر.
لكن أهمية باب المندب اليوم لا تقاس بالأرقام وحدها، بل بعلاقته بمضيق هرمز. فإذا كان هرمز هو المنفذ الطبيعي لنفط الخليج، فإن باب المندب هو المنفذ البديل للنفط الذي يصل إلى البحر الأحمر عبر خط الأنابيب السعودي (شرق – غرب)، والشحنات المتجهة إلى قناة السويس. ولذلك فإن إغلاق المضيقين معاً يعني عملياً تعطيل أهم مسارين للطاقة بين الخليج وأوروبا وشرق آسيا، إضافة إلى فرض الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يضيف آلاف الأميال البحرية إلى الرحلات ويرفع تكاليف التأمين والشحن وأسعار النفط.
ومن هنا تبدو واشنطن أمام معادلة معقدة. فهي تدرك أن استمرار الضغط العسكريّ على اليمن قد يدفع أنصار الله إلى تنفيذ تهديداتهم، فيما تدرك في الوقت نفسه أن الضغط على السعودية لتقديم تنازلات في الملف اليمني ستكون له أثمان سياسية وإقليمية كبيرة. أما الخيار الثالث، وهو تسريع العودة إلى التفاوض مع إيران واحتواء التصعيد، فيزداد إلحاحاً كلما ضاقت النافذة الزمنية قبل انتقال الأزمة من هرمز إلى باب المندب.
هكذا، لم يعد باب المندب جبهة فرعية في الحسابات الإقليمية، بل تحول إلى عنصر حاسم في ميزان الردع. وإذا كانت معركة هرمز قد أثبتت أن أمن الطاقة العالمي يمكن أن يصبح رهينة التطورات العسكرية، فإن دخول باب المندب على خط المواجهة قد ينقل العالم إلى مرحلة جديدة، يصبح فيها تعطيل التجارة العالمية جزءاً من معادلات الحرب، لا مجرد نتيجة جانبية لها.
رئيس تحرير جريدة البناء اللبنانية
