زلزال «التحذير والنفير»: اليمن يكتب السطر الأخير في كتاب الصبر الاستراتيجي

محمد عبدالله الخربي

 

رسمت الجماهير المليونية التي تدفقت كالسيل العارم إلى ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء وبقية المحافظات اليمنية لوحة سياسية وعسكرية غير مسبوقة، لتعلن للعالم أجمع أن اليمن قد تجاوز رسمياً مرحلة «خفض التصعيد» ودخل منعطفاً تاريخياً شديد الخطورة. إن هذا التلاحم الشعبي العضوي والكامل مع «قائد الثورة» السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، يمثل إعلاناً صريحاً بأن القيادة والقاعدة الشعبية باتتا على قلب رجل واحد، وأن الخروج المليوني ليس مجرد تظاهرة عابرة، بل هو استفتاء شعبي بالدم والنار على خيارات الحسم. الرسالة الموجهة اليوم إلى الرياض والعالم أجمع واضحة ولا لبس فيها: لقد نفد الصبر الاستراتيجي، واليمن اليوم يقف على أعتاب مرحلة جديدة لن تُبقي الوضع الراهن على ما هو عليه، وعلى النظام السعودي أن يعي جيداً طبيعة هذا المنعطف قبل فوات الأوان.

أولاً: عقد من المظلومية والمعاناة.. صمود أسطوري تجاوز حدود الاحتمال

على مدى أكثر من عقد من الزمن، تجرّع الشعب اليمني مرارة عدوان غاشم وحصار اقتصادي خانق، طال لقمة العيش، والدواء، وحق السفر، والرواتب، والسيادة على الثروات الوطنية. هذه المظلومية، التي تُصنف كأكبر كارثة إنسانية في التاريخ الحديث بفعل إغلاق المطارات والموانئ ونهب العائدات النفطية، لم تكسر إرادة اليمني، بل تحولت إلى وقود وصاعق تفجير. لقد تحمّل اليمنيون حرب التجويع والحصار بوعي وصبر استراتيجي لإعطاء السلام كل الفرص الممكنة، لكن استمرار التحالف في المماطلة ومحاولة تحويل المعاناة الإنسانية إلى ورقة ابتزاز سياسي، أوصل الشعب إلى قناعة تامة بأن هذه المعاناة يجب أن تنتهي فوراً، وبأي ثمن.

ثانياً: الإرادة السياسية والشعبية.. تلاحم مصيري وتفويض مطلق لعاصفة التغيير

إن السمة الأبرز لـ»جمعة التحذير والنفير» هي هذا التلاحم الشعبي المطلق مع القيادة السياسية والعسكرية. لقد أثبت الخروج المليوني اليوم أن الرهان على تعبئة الشعب أو إضعاف جبهته الداخلية هو رهان خاسر؛ فالجماهير خرجت لتمنح القيادة تفويضاً كاملاً، ومفتوحاً، ولا رجعة فيه لاتخاذ الخيارات الاستراتيجية الكفيلة بانتزاع الحقوق. هذا التفويض يجرّد الأطراف الدولية والمنطقة من القدرة على المناورة، ويؤكد للجميع أن القرار اليمني مسنود بحاضنة شعبية صلبة ومستعدة للمواجهة والنفير العام، مما يمنح الإرادة السياسية قوة تفاوضية وعسكرية جبارة تجعل تهديداتها قابلة للتنفيذ الفوري.

ثالثاً: المحاور والخيارات والسيناريوهات.. معادلة «النزول عن الشجرة» أو «الانتزاع بالقوة»

أمام هذا المنعطف الخطير، لم يعد أمام المملكة العربية السعودية سوى خيارين لا ثالث لهما، وعليها الاختيار سريعاً:

* الخيار الأول: النزول عن الشجرة بالطرق الدبلوماسية (خيار السلام العادل): أن تدرك الرياض أن اللعب على عامل الوقت ومحاولة إبقاء اليمن في حالة «لا حرب ولا سلم» قد انتهت صلاحيته. يتطلب هذا المسار سرعة الاستجابة الدبلوماسية المباشرة للمطالب المشروعة والإنسانية للشعب اليمني، وفي مقدمتها: الرفع الكامل والنهائي للحصار عن الموانئ والمطارات، وصرف مرتبات جميع الموظفين من عائدات الثروات السيادية، والإنهاء الشامل والكامل لكافة مظاهر التدخل العسكري والاقتصادي. هذا الخيار يضمن للسعودية مخرجاً آمناً ويحمي أمنها الإقليمي ومنشآتها الحيوية.

الخيار الثاني: انتزاع الحقوق بالقوة (سيناريو المواجهة المفتوحة): إذا ما واصلت السعودية التعنت والارتهان للإملاءات الأمريكية والبريطانية، فإن البديل الحتمي هو تفعيل خيارات الرد العسكري الموجع والمباشر. السيناريوهات القادمة ستترجم شعار «المطار بالمطار، والميناء بالميناء، والسن بالسن»؛ حيث تمتلك القوات المسلحة اليمنية اليوم قدرات صاروخية وبرية وبحرية وسلاح جو مسير قادراً على ضرب العمق الاستراتيجي والاقتصادي للتحالف، وشل حركته الحيوية بشكل كامل، ليكون انتزاع الحقوق بالقوة هو الكلمة الفصل خاتمة: الساعة الرملية أوشكت على النفاد

ختاماً: إن الحشود المليونية اليوم لم تأتِ للاستعراض، بل جاءت لإعلان البيان رقم واحد لمرحلة ما بعد الصبر. إنها فرصة أخيرة تُمنح لصوت العقل والحكمة، وتأكيد على أن اليمن لن يموت جوعاً وحصاراً بينما ينعم الآخرون بالاستقرار والرفاهية وتدفق الاستثمارات. الكرة الآن باتت بالكامل في الملعب السعودي، والفرصة التاريخية لتفادي كارثة عسكرية واقتصادية كبرى في المنطقة ما زالت قائمة، لكنها تضيق مع مرور كل ساعة.

الخلاصة:

مظلومية اليمن الطويلة ولدت إرادة شعبية وسياسية فولاذية، والرسالة إلى السعودية واضحة: إما النزول السريع والدبلوماسي عن شجرة التعنت عبر تلبية المطالب الإنسانية والشرعية للشعب اليمني فوراً، أو الاستعداد لتحمل تبعات انتزاع تلك الحقوق بالقوة العسكرية الصادمة التي لن تقف عند حد، ولن تمنح المنطقة أي فرصة للعودة إلى الوراء.

 

قد يعجبك ايضا